فَإِنْ احْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ:"سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ"فَجَعَلَ السَّمْعَ مِنْ الْوَجْهِ. قِيلَ لَهُ: لَمْ يُرَدْ بِالْوَجْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْعُضْوَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ, وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ جُمْلَةَ الْإِنْسَانِ هُوَ السَّاجِدُ لِلَّهِ لَا الْوَجْهُ, وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] يَعْنِي بِهِ ذَاتَه. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ السَّمْعَ, وَلَيْسَ الْأُذُنَانِ هُمَا السَّمْعُ, فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى حُكْمِ الْأُذُنَيْنِ; وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
إلَى هَامَةٍ قَدْ وَقَرَ الضَّرْبُ سَمْعَهَا ... وَلَيْسَتْ كَأُخْرَى سَمْعُهَا لَمْ يُوقَرْ
فَأَضَافَ السَّمْعَ إلَى الْهَامَةِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا تُمْسَحَانِ مَعَ الرَّأْسِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُصُولِ مَسْحٌ مَسْنُونٌ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِلْمَفْرُوضِ مِنْهُ, أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَمْسَحَ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى أَصْلِ السَّاقِ وَالْمَفْرُوضُ مِنْهُ بَعْضُهُ أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا فَمِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَعَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ مِقْدَارُ مَا يُسَمَّى مَسْحًا؟ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; وَرُوِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْمَازِنِيُّ وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ, بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ1 ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ, وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَفَا لَيْسَ بِمَوْضِعٍ مَفْرُوضِ الْمَسْحِ; لِأَنَّ مَسْحَ مَا تَحْتَ الْأُذُنَيْنِ لَا يُجْزِي مِنْ الْمَفْرُوضِ, وَإِنَّمَا مَسْحُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ على جهة التبع للمفروض.
1 قوله: إلى"قفاه"القفا مؤخر العنق كما في لسان العرب والمصباح."لمصححه".