فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وَالتَّابِعِينَ مَا وَصَفْنَا مِنْ كَرَاهَةِ بَيْعِ بُيُوتِ مَكَّةَ وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} لِلْحَرَمِ كُلِّهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ إبَاحَةُ بَيْعِ بُيُوتِ مَكَّةَ وَكِرَاؤُهَا، وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ قَالَ: كَانَ لِي بَيْتٌ بِمَكَّةَ فَكُنْتُ أُكْرِيهِ، فَسَأَلْتُ طَاوُسًا فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وعطاء: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} قَالَا:"سَوَاءٌ فِي تَعْظِيمِ الْبَلَدِ وَتَحْرِيمِهِ"وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرُّوخَ قَالَ:"اشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ دَارَ السِّجْنِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ"زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَعْمَرٍ:"فَأَخَذَهَا عُمَرُ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:"لَا بَأْسَ بِبَيْعِ بِنَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ وَأَكْرَهُ بَيْعَ أَرَاضِيهَا"وَرَوَى سُلَيْمَانُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ:"أَكْرَهُ إجَارَةَ بُيُوتِ مَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ وَفِي الرَّجُلِ يُقِيمُ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَأَمَّا الْمُقِيمُ وَالْمُجَاوِرُ فَلَا نَرَى بِأَخْذِ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَأْسًا". وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ بَيْعَ دُورِ مَكَّةَ جَائِزٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَتَأَوَّلْ هَؤُلَاءِ السَّلَفُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ عَلَى الْحَرَمِ كُلِّهِ إلَّا وَالِاسْمُ شَامِلٌ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ الْآيَةَ عَلَى مَعْنًى لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا وُقُوعَ اسْمِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْحَرَمِ مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة:7] وَالْمُرَادُ فِيمَا رُوِيَ: الْحُدَيْبِيَةُ، وَهِيَ بَعِيدَةٌ مِنْ الْمَسْجِدِ قَرِيبَةٌ مِنْ الْحَرَمِ، وَرُوِيَ أَنَّهَا عَلَى شَفِيرِ الْحَرَمِ. وَرَوَى الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ:"أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَضْرِبُهُ فِي الْحِلِّ وَمُصَلَّاهُ فِي الْحَرَمِ"وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هَهُنَا الْحَرَمَ كُلَّهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 217] وَالْمُرَادُ إخْرَاجُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ حِينَ هَاجَرُوا إلَى الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ عِبَارَةً عَنْ الْحَرَمِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْحَرَمِ كُلِّهِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ بِالظُّلْمِ فِيهِ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ اقْتَضَى قَوْلُهُ: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} تَسَاوِيَ النَّاسِ كُلِّهِمْ فِي سُكْنَاهُ وَالْمُقَامِ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي وُجُوبِ اعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ وَحُرْمَتِهِ. قِيلَ لَهُ: هُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ اعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ وَحُرْمَتِهِ وَمِنْ تَسَاوِيهِمْ فِي سُكْنَاهُ وَالْمُقَامِ بِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ; لِأَنَّ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي سُكْنَاهُ كَمَا لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَصِحُّ لِلْمُشْتَرِي تَسَلُّمُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ حَسَبَ الِانْتِفَاعِ بِالْأَمْلَاكِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غير