كما حصلت المملكة في المؤتمر الثاني والثمانين لرؤساء الشرطة في العالم الذي عقد بمدينة ميامي بولاية فلوريدا بالولايات المتحدة لأمريكية على شهادة رسمية تسجل الواقع في أن المملكة أقل دول العالم جريمة وأكثرها أمنًا [1] .
والمعادلة في حصول الأمن يسير فهمها يسير تطبيقها على من أراد الله له وبه الخير، فهي قائمة على فقه الشرع وتطبيقه، إلا أنه لا يقدر على تطبيقه غير المسلم الذي خلص من هوى النفس، فكان هواه تبعًا لما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكانت عبادته لله وحده بما شرع، طاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [2] ، ويقول تبارك وتعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [3] ، ويقول عز وجل: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [4] .
وخلاصة الأمر: أن الأمن المطلق لا يحصل إلا بأمرين: أولهما الإيمان بالله وحده وعدم الشرك به لقوله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمَ يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدُونَ} [5] وفسر الظلم بالشرك [6] لقوله تعالى: { ... إن الشِّركَ لَظُلمٌ عظِيمٌ} [7] .
الأمر الثاني: طاعة الله عز وجل، ومعلوم أن طاعة الله تعالى والإيمان به مترتبة على وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والإيمان به، ولزوم أمره، كما تقدمت بذلك الأدلة.
والمملكة العربية السعودية إنما حصل لها الأمن بتوفيق الله تعالى أن هداها للإيمان به وطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن ضروب الطاعة: الجهاد في الله حق جهاده، ومنه تطبيق الشرع الحنيف، الذي ترتب عليه الأمن ونعمة الاستقرار ورغد العيش، يصدق ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرىَ آَمَنُوا واتَّقَوا لَفَتَحنَا عَلَيِهَم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ والأَرضِ ... } [8] .
واستمرار الأمن ورغد العيش مرهون بالإيمان بالله تعالى واتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ شكرًا لنعمه وآلائه.
وللتحذير من أسباب زوال النعم كلها: يتحتم بيان ما رتبه الله على الكفر بنعم الله بقوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [9] .
تطبيق الحدود الشرعية:
طبقت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها إلى اليوم شرع الله في مجال الحدود وأخذت على عاتقها مهمة تنفيذ كافة الأحكام الشرعية، وفي مقدمتها حد: القصاص، والخمور، والمخدرات، والزنى، والسرقة، والحرابة.
وقد عنيت المملكة العربية السعودية بهذا الأمر، وجعلته دستورها الذي ينبني عليه حكمها، فعينت قضاة للفصل في هذه الحدود من العلماء الأفاضل، وجعلت لهم مطلق الحرية، فلا تتدخل في أحكامهم وأقضيتهم، بل جعلت لهم نفوذًا قضائيًا، يمكنهم من الحكم في الحدود، والتعزير، وفض المنازعات والمظالم، وغير ذلك من أحكام القضاء.
ثم تبنت المملكة تنفيذ الحكم بقوة السلطان بعد أن دعمته بقوة الشرع والقرآن؛ لتضمن تنفيذ حدود الله تعالى وسلامة تطبيقها.
يقول الملك عبد العزيز - رحمه الله - في معرض خطابه في الجلسة
الأولى للمؤتمر الوطني المنعقد في 15/ 1/1350 هـ [10] "ثم هنالك مسألة أخرى تهمني كثيرًا؛ لأنها من أسس الدين ومصالح المسلمين وهي مسألة القضاء ... فنحن نطلب النظر في هذه الأمور لحسمها وحلها وبينكم من هو من أهل الدين والرأي، وإذا أردتم أن نزيدكم من أهل العلم سواء نجدي، أو من خارج هذه الهيئة فاطلبوا، لأنا ما أضفنا أحدًا لكم؛ لأن المسألة بالانتخاب"، ثم يمضي في حديثه عما يتعلق بالحدود، والقضايا مؤكدًا على أن القضاء فيها من أساس الدين بقوله:"هذه الأمور - في الحقيقة - من أساس الدين، فإذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وأصلحنا المحاكم هانت الأمور واستقرت الأحوال"، ويستعرض بعد ذلك في حديثه ما ينبغي النظر فيه من مسائل الاقتصاد، والمشاريع التنموية النافعة، إلى أن قال في ختام كلمته:"... والآن ألفت أنظاركم إلى أنكم أنتم المسئولون عند الله ثم عندي وعند الأمة ..." [11] .
(1) ينظر: جهود المملكة العربية السعودية في خدمة الدعوة الإسلامية ماضيًا وحاضرًا، ص 78 - 80.
(2) سورة آل عمران، الآيتين 31، 32.
(3) سورة المائدة، الآية 99.
(4) سورة المائدة، الآية 99.
(5) سورة المائدة، الآية 99.
(6) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/ 145.
(7) سورة المائدة، الآية 99.
(8) سورة الأعراف، جزء من الآية 96.
(9) سورة المائدة، الآية 99.
(10) المصحف والسيف، ص 65، 68.
(11) سورة المائدة، الآية 99.