وما يقرأ اليوم من إعلانات وزارة الداخلية في الصحف، ويسمع في الإذاعة والتلفاز من تنفيذ حكم الله تعالى بقاتل، أو سارق، أو محارب، وغير ذلك: خير شاهد حي يدل على تطبيق شرع الله الحنيف في جانب المعاملات، إضافة إلى غيرها من معاملات البيوع، والتجارة وسائر المعاملات المتعلقة بذمم الناس لبعضهم البعض، كما لم تغفل تطبيق الشريعة الإسلامية من حيث العبادات، والمحافظة على أداء جميع شعائر الدين في جميع المشاعر التي ولاه الله تعالى أمرها منذ بداية تأسيسها إلى اليوم وهو ما يتضح في النقطة التالية:
التزام المملكة العربية السعودية بأركان الإسلام الخمسة:
قامت هذه الدولة على أساس الإسلام وتطبيق أركانه والدعوة إليه، والتزم ذلك الحاكم والمسئول والمحكوم، واعتبرت الإسلام منهجًا متكاملًا وكلا لا يتجزأ، وعلى رأس ذلك: أداء شعائر الله التي أمر - تعالى - بها.
فجعلت من عملها الأخضر الخفاق بيانًا لهويتها الإسلامية؛ إذ كتب عليه: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، واتخذت من هذا الشعار الذي يعد أول أركان الإسلام: مدخلًا إلى تحقيقه، وتحقيق أركان الإسلام؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
فأمرت بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ونظمت أداء حج بيت الله الحرام لمن أراد، ووظفت لأداء هذه الأركان هيئات ووزارات متخصصة من شأنها الدعوة لتطبيق شعائر الإسلام والسير على منهجه والسهر على تنفيذه [1] .
يقول خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - حفظه الله - عن ذلك الأمر:"التزمت المملكة العربية السعودية في مختلف مراحلها منهج الإسلام حكمًا وقضاء ودعوة تعليمًا، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر وأداء لشعائر الله. التزم الولاة بذلك، والتزمه المسئولون في الدولة، والتزمه الشعب في تعامله وحياته" [2] .
إعمار بيوت الله وبخاصة الحرمين الشريفين وخدمة المشاعر المقدسة:
إن من تطبيق الشريعة الإسلامية: القيام بالعبادات كما سلف، وعلى رأسها الصلاة - ثاني أركان الإسلام -؛ ولأهميتها ووجوب ادائها جماعة: تبينت أهمية المسجد، إضافة إلى أهميته في أداء رسالته التعليمية والتربوية منذ عهد النبوة؛ ولذا فقد أخذت الدولة هذا لأمر بعين الاعتبار، حيث جعلت لذلك مكانًا في نظامها الأساسي للحكم، فقد بينت المادة الرابعة والعشرون من النظام الأساسي للحكم في بابها الخامس: (الحقوق والواجبات) ما نصه:"تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما، وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما، بما يمكن من أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وطمأنينة" [3] .
يقول الملك عبد العزيز - رحمه الله - حينما دعا لقعد أول مؤتمر إسلامي بمكة:"نريد أن تكون مكة المكرمة والمدينة والمنورة من أجمل وأرقى وأنظف مدن العالم".
كما قال خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - بعد مضي ستة عقود زمنية من قول والده المؤسس - غفر الله له - عندما طرح مشروع التوسعتين التاريخيتين للحرم المكي، والمسجد النبوي:"نريد أن تكون مكة المكرمة والمدينة والمنورة بما يليق بهما في قلوبنا نحن السعوديين خاصة وفي قلوب عامة المسلمين من أجمل وأرقى مدن العالم"، كما قال:"إن الإنفاق على مشروعات الأراضي المقدسة والمدينة المنورة سيكون دائمًا بلا حدود ولا قيود" [4] .
وتجدر الإشارة إلى أن أول إعمار للمسجد الحرام في عهد الملك عبد العزيز تم عام 1344 هـ [5] ، وعهد بذلك الأمر إلى مدير الأوقاف بمكة آنذاك [6] ، ثم تلاه بعد عامين، أي عام 1346 هـ صدور أمر جلالته بإعمار المسجد الحرام داخلًا وخارجًا على حسابه الخاص، وعهد بتلك العمارة إلى الشيخ عبد الله الدهلوي، الذي قام بالصيانة والترميم والإعمار العام للمسجد الحرام لمدة سنة كاملة.
وجدير بالذكر أن هذا الإعمار يعد الأول من نوعه منذ عمارة السلطان عبد الحميد خان الثاني العثماني عام 1314 هـ أي نحوا من اثنين وثلاثين عامًا.
وقد تكلف هذا العمل ما يربو على ألفي جنيه ذهبًا من خاصية الملك عبد العزيز - رحمه الله -، واستمر الترميم كل عام استعدادًا لموسم الحج، حتى صدور أمره بإجراء عمارة عمومية وتوسعة ومظلات؛ لتستوعب زيادة الحجيج بعد رسوخ الأمن وتوطيد أركانه، فصدرت توجيهات النائب العام لجلالة الملك صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز - رحمه الله - في 12/ 8/1354 هـ بتشكيل لجنة كبرى للنظر في إعادة الترميم والتوسعة الشاملة، وقدر لذلك اثنا عشر ألف وأربعمائة وثمانية وثلاثون ريالًا عربيًا سعوديًا، وهو مبلغ ضخم جدًا إذا ما قورن بقيمة الريال السعودي الشرائية في ذلك الوقت، وكانت العادة تقضي بأن أعمال الترميم تتولاها مديرية الأوقاف من ريع أوقاف الحرم، إلا أن ذلك الريع قد حبس، وانقطع وروده في حين استيلاء الأيدي الغاصبة له، مما جعل إدارة الأوقاف عاجزة عن القيام
(1) ملحق المجلة العربية، 1412 هـ، ص 12.
(2) سورة المائدة، الآية 99.
(3) سورة المائدة، الآية 99.
(4) سورة المائدة، الآية 99.
(5) ينظر: تاريخ عمارة المسجد الحرام بما احتوى من مقام إبراهيم وبئر زمزم والمنير وغير ذلك، 256 - 260، للاستزادة عن طرق الإضاءة للمسجد الحرام، في عهد الملك عبد العزيز -رحمه الله -.
وتجد الإشارة إلى أن الطبعة الأولى للكتاب كانت عام 1354 هـ. ينظر: ص 315 منه.
(6) الشيخ: محمد سعيد أبو الخير.