الصفحة 103 من 180

لكن حكم قطع يد السارق ورجم الزاني واجب وهذا لا يناقض ما قررناه بأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم أو من أوكل له الفعل من أصحابه هو على الاستحباب وذلك لأن حكم فعله صلى الله عليه وسلم أو فعل من أمره إن كان بيانا لمجمل فيأخذ حكم المجمل فإن ورد أمر قولي بهذا العمل فالفعل حكمه كحكم الأمر القولي فمثلا: قال الله تعالى"السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما"هذا أمر قولي يدلل على الوجوب وهذا الفعل بيان لمجمل فحكمه حكم الأصل المجمل

فاستفدنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقطع سارق رداء صفوان الوجوب لا لذات الفعل و إنما لورود الأمر بالقطع وهناك حد مجمع عليه عند أهل العلم من أن من فعله يدلل على الوجوب وهو إن كان فعله امتثالا لأمر قولي أي إن كان الله أمر بأمر وفعله النبي ولم يفعله إلا على جهة واحدة وعلى نحو واحد فيصبح فعله واجبا فمثلا لا يوجد نص قولي فيه تحديد مكان القطع لكن لم يعرف عن النبي قد قطع من غير الرسغ وكان هذا القطع امتثالا لأمر رباني قولي وداوم عليه

والإشعار (إشعار الهدي) لم يأت أمر قولي بوجوبه وهو مشروع عند جماهير أهل العلم ووقع خلاف شديد عند الحنفية ونقل عن بعض أئمتهم أن الإشعار مثلى وبعض المشتغلين بعلم الحديث يقولون هذا لم يقله أئمتنا ومنهم من قال إن أئمتنا قالوا إن الإشعار مثلى لما رأوا غلو الناس فيه وإيذاء الحيوان وليس في هذا إنكار للإشعار الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الشاهد أنه أمر ببدنة فأشعرها.

قال ابن حزم في المحلى ج 7 / ص 110: ليس في هذا الخبر أنه أمر بالإشعار ولو كان فيه لقلنا بإيجابه مسارعين وإنما فيه أمر ببدنة فأشعر في سنامها فمقتضاه أنه أمر بها فأدنيت إليه أي قربت منه فأشعر في سنامها لأنه هو الذي تولى بيده إشعارها.

يريد أن يقول ابن حزم لو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن يشعرها لكان فعله بالنسبة إلينا أمرا واجبا لكن بما أن هذا الرجل لم يشعرها بيده وإنما النبي هو الذي أشعرها بيده أصبح حكم هذا الفعل مسنونا.

هل كل من أراد أن يشعر يجب عليه أن يأمر غيره بإحضار الدابة؟ على مذهب ابن حزم الجواب نعم وعلى تأصيلنا وتقعيدنا الجواب لا فالرجل يمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن فعله بالنسبة لنا يساوي فعل النبي بالنسبة إلينا أي لا يدلل على الوجوب أصالة بل على الندب وهذا مذهب جماهير الأصوليين.

قال الشيخ مشهور: أفعال النبي صلى الله عليه وسلم إما أن تكون تعبدا أو جبلية فالنبي صلى الله عليه وسلم بشر كسائر البشر أي يوجد أشياء يفعلها بجبليته وهناك أفعال جبلية صرفة يفعلها الإنسان وتقع منه اضطرارا دون قصد منه وهناك أفعال فيها وصف جبلي خلقي للنبي صلى الله عليه وسلم مثل عرض المنكبين ولم يكن بالطويل ولا بالقصير و أكحل العينين فلا يجوز أن يقال لرجل عريض المنكبين أنت على السنة وكذلك هناك أفعال يفعلها هي مما فطر الله عليها البشر مثل الهواجس التي تخطر بالبال وحركات الجسم والنوم والأكل والشرب والوجود والسكنى والبلدة والقبيلة وهناك أفعال جبلية اختيارية صدرت منه على وجه فيه عادة وتكرار وله فيها سمت مثل طريقة النوم ومثل جبلية الطعام وهيئة اللباس وغطاء الرأس وهي في أصلها جبلية فلا بد للإنسان أن يلبس ويأكل ويشرب لكن صدرت منه على وجه فيه عادة راتبة له كأن يأكل جالسا ويشرب على دفعات وينام على شقه الأيمن هذه تدخل تحت فعله على وجه الطاعة و القربة والاقتداء بالنبي في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت