الصفحة 104 من 180

هذه الأمور سنة ودل على ذلك عموم الآيات كقوله تعالى"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"هدي النبي صلى الله عليه وسلم ثقيل على النفس ليس بمفرداته ولكن باجتماع هذه المفردات وبتكرارها والثبات عليها ومداومتها ولا يفلح أحد بأن يقتدي بالنبي إلا إذا توفرت فيه صفات ذكرها الله في الآية فالإنسان الذي يستشعر بمراقبة الله وقلبه مربوط بالجنة والنار يحسب حسابا للحسنة والسيئة ويكثر من ذكر الله وهذا بركة المراقبة أو سببها فمن كان هذا حاله فإن السنة على نفسه هنيئة مريئة وإلا فالسنة صعبة ثم أستغرب من حال كثير من الناس يأخذ شيئا من السنة ويدعو إليها بقوة وهو بعد لم يتطبع بهدي النبي صلى الله عليه وسلم بالجملة في سمته وهديه وحلمه و أناته لم توجد فيه بعد هناك حديث يجب نقف عنده طويلا وأن نحاسب أنفسنا عليه كثيرا حديث أنس قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات فلم يقل لي لشيء فعلته لم فعلته ولا شيء لم أفعله لِمَ لم تفعله"وكذلك إذا كان النبي كره شيئا ما كان يعنف ورئي ذلك في وجهه ونحن سلفيون في عقيدتنا ومنهجنا وأحكامنا وأخلاقنا هكذا ينبغي أن تكون السلفية ليست قولا يدّعى بل منهجا يطبق ومن ضمن منهج مهم جدا الذي ما ينبغي أن نغفل عنه التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله والاقتداء بهديه ولا يكون الإنسان شتاما طعانا لعانا يغضب ويثور ولا يضع الأشياء في أماكنها على أتفه الأسباب."

إذا الشيء الذي يفعله النبي وهو جبلي ولكنه اختياري وداوم على هيئة له وعلى وجه واحد محدد أو على أكثر من وجه ثابت عنه فهذا أمر يتعبد الله فيه ولاسيما إن علمنا أن أسلافنا قد فعلوا ذلك عبادة، ودلل على ذلك قوله تعالى"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"وقوله"واتبعوه لعلكم تفلحون"وقول النبي صلى الله عليه وسلم"خير الهدى هدى محمد"قال القاضي عياض في الشفا: إن سيرة السلف إنهم يحبون كل شيء يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في المباحات وشهوات النفس فهذا أنس بن مالك يقول"لما علمت أن النبي يحب القرع أحببته"ويقول حين رأى النبي يتتبع الدباء من حوالي القصعة قال فما زلت أحب الدباء إلى يومئذ"و الدباء حلوى كانت توضع على الطعام وهذا فيه دليل على جواز أن لا يأكل الإنسان مما يليه إن وجد في القصعة عدة أنواع ومن هذه الأنواع ما هو بعيد عنه ففي هذه الحالة مأذون له بفعل ذلك ولا يدخل تحت"كل مما يليك"وقد ورد عن الحسن بن علي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر أنهم أتوا سلمى خادمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلبوا منها أن تصنع لهم طعاما كان يحبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمر يلبس النعال التي يلبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتتبع آثاره حتى في السفر حتى قال بعضهم لو رأيت ابن عمر وهو يتتبع آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - لقلتم عنه إنه لمجنون وفي هذا إشارة إلا أن حتى الأفعال الجبلية التي جبل الله نبيه عليها إن فعلت على وجه التقرب و العبادة فهذا أمر حسن ويثاب صاحبه عليه، أخرج أبو يعلى في مسنده بسنده إلى ثابت البناني عن أنس قال: كان شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى شحمة أذنيه ثم نظر أنس فرآني فقال كشعر ثابت هذا قال فالله ما فرحت بمثلها"هذا شيء جبلي إلا أن الشيء الجبلي إن فعله الإنسان كلبس القلنسوة واقتدى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في سائر هيئاته التي لا ينفك عنها البشر والتي واظب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وواظب عليها أصحابه فإن فعلت على وجه القربى فهذا الفعل سنة مستحبة ومال إلى هذا جمع من الأصوليين وذكرها أبو شامة في كتابه المحقق في علم الأصول وعللها ولكني عجبت من تمثيله قال: في الأفعال التي يكاد يقطع بخلوها من القربة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت