قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأذان في العيدين مع وجود ما يكون مقتضيا وزوال المانع سنة كما أن فعله سنة وقال فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة وليس لأحد أن يزيد في ذلك بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة وأعداد الركعات"انتهى كلامه.
النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصلوات الخمس بعدد معين من الركعات وما زاد عليها وواظب على هذه الركعات وفعله هذا هو امتثال وبيان لأجمال فيصبح فعله واجبا وكذلك الجهر في الصلاة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أسر في بعض الركعات وجهر في بعضها فلا يجوز لنا أن نترك أحواله؛ فيقول لنا قائل هذا فعل من النبي - صلى الله عليه وسلم - والفعل يدلل على السنية قلنا له لو أننا صلينا الظهر جهرا نكون قد تركنا سنة فقط وهذا غير صحيح فترك النبي يكون أحيانا واجبا.
نقول تروك النبي - صلى الله عليه وسلم - على أقسام كما قلنا وليست كلها في منزلة واحدة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إن ترك وأقر غيره من قول أو فعل رآه أو بلغه هذا لا يحمل إلا على الإباحة.
ولو ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا فهو على أقسام: قسم مباح وقسم مسنون وقسم واجب فهذه الأقسام هي كالآتي:
أولا: الترك الداعي للجبلة البشرية لا يدلل في حقنا تحريم ولا على كراهة إن فعلناه مثل: ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل الضب وقال إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه"فترك أكل الضب حكمه الإباحة لأنه ترك جبلي لذا رأى خالدا يأكله على مائدته وسكت عنه ومثلا: ترك النبي التنشيف بعد الغسل في الحديث الثابت وهو حديث ميمونة لما جاءته بخرقة فردها ولم ينشف بها وثبت أنه استخدمها في حديث آخر فالنبي - صلى الله عليه وسلم - تركها لشيء للتبرد مثلا فالترك هنا لا يدلل على أن التنشيف مكروه فإن فعله دل على الجواز وتركه له لأمر جبلي قال ابن دقيق العيد في كتابه الإحكام: رد النبي - صلى الله عليه وسلم - المنديل واقعة حال (أي حادثة لها ملابسات خاصة بها) يتطرق إليها الاحتمال فيجوز أن لا يكون لكراهة التنشيف بل لأمر يتعلق بالخرقة أو غير ذلك"انتهى كلامه
ثانيا: الترك الذي قام دليل على إختصاصه به.
فهناك أشياء تركها النبي - صلى الله عليه وسلم - لخصوصية به كالأفعال تماما مثل ترك أكل الصدقة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -"إنا معشر آل محمد لا تحل لنا الصدقة"فلا يجوز لمحتاج منا أن يقول أنا لا آخذ الصدقة لأن النبي لم يأخذها لأن هذا شيء خاص به وبآله وكذلك ترك ما يشتبه أنه صدقة فثبت أنه مر النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد تمرة ملقاة فقال لو لا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها"."
ثالثا: الترك بيانا أو امتثالا لمجمل معلوم الحكم. في هذا النوع يجب علينا أن نتقيد فيه بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما سميناه سابقا بمساواة التأسي ومعنى الآية"وما آتاكم الرسول ..."المباح بحق النبي مباح في حقنا والواجب في حقه واجب في حقنا أي خذوا على النحو الذي أخذه فان أخذه على وجه السنية فتأخذه على وجه السنية وأما باعتبار وجوب اعتباره فهو أمر واجب ونعني بوجوب اعتباره أي أن لا يهمل وأن يكون مصدر في التحليل والتحريم فهذا أمر واجب. وما آتاكم الرسول فخذوه على اعتبار أن التشريع من كتاب الله وسنة رسوله فهذا الأخذ لهذا الإتيان واجب أما كحكم تكليفي ليس كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم واجبا وعلماء الأصول يقولون هذا الأمر في حقه صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلينا مساواة التأسي أي نتأسى به بالمساواة وبعضهم قال وجوب التأسي وصاحب فواتح الرحموت يذكر أن الوجوب فقط