النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك أشياء ولم يداوم عليها مخافة أن يلحق بالأمة المشقة مثل حديث ابن عباس في البخاري قال"ولم يمنعه - صلى الله عليه وسلم - أن يرمل في الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم إلا الرحمة بهم"فالنبي كان يرمل بثلاثة أشواط ويترك أربعا في أول قدوم الرمل (الهرولة) .ومما يلاحظ لا يستحب الرمل في الأشواط كلها لأن الأحكام قد استقرت وإن زال السبب.
من هذا النوع (عدم إلحاق المشقة) ترك النبي بعض الأشياء في أمثلة قد تقبل التخريج عليها وقد لا تقبل ذلك:
مثل ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - ستر الفخذ عند وضع رجليه في الماء وهذا لا يدل على أن الفخذ ليس عورة فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جرهد"غط فخذك فإن الفخذ عورة"لكن ترك النبي لستر فخذه لأنه كان في ماء ويلحقهم في ذلك شيء من المشقة فإن رفع الإنسان ثوبه وأمن الفتنة فهذا الترك لا حرج فيه فهذا الترك على هذا الحال يخرج على هذا المعنى والله أعلم.
الرابع: ترك المطلوب خشية حصول مفسدة أعظم منه: كقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة"لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة"ومثل ذلك تركه قتل المنافقين قال"لا أريد أن يقول الناس أن محمدا يقتل أصحابه".
خامسا: تركه لبعض الأعمال على سبيل العقوبة: مثل تركه الصلاة على المدين ولم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه وتركه للصلاة على من قتل نفسه وهكذا.
سادسا: ترك الامتثال لأمر شرعي لمانع: كتركه لصلاة الفجر لما نام.
[3] : ينبغي أن يفرق بين تركه لشيء قام المقتضى عليه وتركه لشيء لم يقم المقتضى عليه:
فإن كان هناك مقتضى لعمل والنبي - صلى الله عليه وسلم - والمقتضى قائم فتركه يصبح حجة ويجب التقيد بها ويتعبد الله به ومن فعل خلافه فهذه بدعة وأما إن لم يقم المقتضى على فعله في زمنه فحينئذ تعرض كل مسألة على الشريعة فمنها الذي يقبل ومنها الذي يرد. وهذا هو الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة.
ومن الأمثلة على تركه مع وجود المقتضى: تركه للأذان في صلاة العيد وجهره في بعض الصلوات دون بعض فالأذان للعيد بدعة والصلاة سرا في صلاة جهر بدعة.
ومن الأمثلة على تركه مع عدم وجود المقتضى: الأذان بمكبر الصوت مصلحة مرسلة لأنه لم يكن موجودا في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن المقتضى قائم لاستعماله فالنبي أمر من رأى الأذان أن يلقيه على من أندى منه صوتا وأرفع صوتا لذا الفقهاء يقولون يحسن بالمؤذن أن يكون صيِّتا أي ذو صوت مرتفع. وكذلك قراءة القرآن بالنظارات مصلحة مرسلة. وقد اعترض بعضهم على ذلك كما قال ابن القيم في الإعلام"إن قيل من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم فقال ابن القيم: فهذا سؤال بعيد جدا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا الأذان في التراويح واستحب لنا الغسل لكل صلاة والحجة أنه من أين لكم أنه لم ينقل وانفتح باب البدعة ... ."انتهى كلامه
وقال ابن دقيق العيد في الأحكام عند حديث"أنه سجد للسهو"قال: سجد ولم يذكر التشهد بعد سجود السهو ولذا يستدل على عدم الفعل أن المقتضى قائم فلو فعله لنقل مثل التكبيرات لسجود التلاوة.
فائدة: بعض الفقهاء يقولون نكبر في سجود التلاوة عند السجود وعند القيام وبعضهم يقولون نكبر عند السجود وعند القيام ونسلم وبعضهم يقولون لا نكبر لا عند السجود ولا عند القيام وهذا الأخير الأقرب للسنة لأنه لم يرد شيء عن