2 -التناقض لا يكون بين الأمرين ولا النهيين ولا بين الأمر والخبر وإنما يشترط أن يكون بين خبرين عند المناطقة والتعارض يكون بين ذلك كله؛ بين الأمرين وبين الأمر والخبر وبين الخبرين وهكذا.
3 -التعارض يطلق على القولين فيما بينهما وعلى الفعلين فيما بينهما وعلى القول والفعل والتناقض لا يكون إلا بين القولين.
4 -التنافي في التعارض يكون صوريا والتنافي في التناقض يكون حقيقيا أصليا ولذا قال الله تعالى"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"هذا الاختلاف الكثير منفي وهذا إعجاز عجيب للقرآن فالعقول البشرية مهما أوتيت من حكمة وذكاء فإن العوار يظهر في أحكامها مع مضي الزمن ويظهر العوار في نتاجها مع تداخل الأشياء فهناك قوانين وضعها أناس ذو ثقافة عالية وذكاء وقد تظهر فيها مصلحة في بادي الرأي ولكن مع تقلب الزمن تظهر المفاسد.
أضرب مثالا على ذلك: إن زنى رجل مع امرأة باختيارها فهذه حرية شخصية في قانونهم ويقولون إن زنى رجل على فراش امرأة متزوجة فهذا اعتداء على حق الزوج وللزوج أن يطالب بحق يقدره له القانون وهو حق محصور لصاحب الفراش لا يورث أي لا يطالب فيه ابنه مثلا ويقولون لو أن رجلا أراد أن يُقتل وتحقق من القتل فدافع عن نفسه فقتل قاتله فهذا لا حرج فيه. الآن نفترض صورة رجل دخل على بيته فوجد رجلا يزني في زوجته فهم بقتل الزاني فدافع الزاني عن نفسه فقتل الزوج ففي القانون الوضعي لا شيء عليه ومن هنا يتبين عوار هذه القوانين والأمثلة كثيرة.
الشرع من لدن حكيم خبير فلا تعارض في أوامره ولا تناقض وإنما التعارض فقط في استخراج الحكم عند المجتهد أما الشريعة في نفسها فهي منزهة عن وقوع التعارض فضلا عن التناقض وهذا مذهب جماهير أهل العلم.
قال الإمام الشافعي فيما نقله عنه الشوكاني في إرشاد الفحول قال: لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثان صحيحان متناقضان ينفي أحدهما ما يثبته الآخر من غير جهة الخصوص والعموم والإجمال والتفصيل إلا على وجه النسخ. ومن هذا النص نحسن أن نفهم لماذا مثل الماتن بالعموم و الخصوص، لا يوجد نصان في الشريعة فيهما تعارض إلا العام والخاص وعند إعمال كل نص في مكانه يزول التعارض، والنسخ لا تناقض فيه وإنما فيه تعارض لاختلاف الزمان.
وقال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية أسند إلى إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله قال: لا أعرف أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثين بإسنادين صحيحين متضادين قال: فمن كان عنده شيء من ذلك فليأتني به فأعمل على التأليف بينهما.
الإمام الطحاوي ابتدأ حياته العلمية في التوفيق بين المتعارضات والمشكلات وختم حياته في هذا الباب فابتدأ بشرح معاني الآثار واختتم بمشكل الآثار فمادة مشكل الآثار أزالت التعارض بين الأحاديث وأقوال الصحابة وبين الآيات و الأحاديث فهو يسند أقوال ظاهرها التعارض ثم يأتي بنص ثالث في الغالب يوفق بين نصين وأجمل نوع من أنواع التوفيق أن يقع التوفيق بنص فمثلا ربنا يقول"لا تدركه الأبصار"ويقول"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول"سترون ربكم كما ترون القمر"فالقمر يرى ولا يدرك ففي الحديث توفيق بين الآيتين.
ومن الذين ألفوا في هذا الباب ابن قتيبة ومن خاتمة من جمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض الشيخ الشنقيطي رحمه الله في كتابه دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب.