جواز الانتفاع و الثاني يدلل على عدم الانتفاع من الميتة بإهاب، والإهاب في اللغة اسم لما لم يدبغ إذن: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب أي قبل دبغه فإذا دبغ طهر فتنتفع به ولذا قال الصنعاني في سبل السلام قال: وهذا جمع حسن ما في خلاف.
ومثله ما أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها"دل الحديث بمنطوقه على خير شهادة وهو خير الشهداء وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون بعدهم قوم يشهدون قبل أن يستشهدون"وفي رواية عند مسلم"ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدون"فدل هذا الحديث على أن هؤلاء الأقوام يخلفون أولئك وقد ذكروا في معرض فيه ذم وليس فيه مدح فظاهر الأمرين تعارض ولكن التوفيق بينهما أن الأول له حال والثاني له حال فخير الشهداء الذي يؤدي شهادته قبل أن يسألها وهذه الشهادة يكون الحق فيها مرهونا بقوله وأما تلك فهو يأتي ويستشهد ولا داعي لها ويأتي للحلف ويأتي ليحمل نفسه شيئا من شأن أهل الخير أن لا يحملوه وأن يتورعوا عنه.
قول الماتن"يتوقف فيهما"أي يتوقف عن العمل بما فيهما إن لم يعلم تاريخ كل نص بمعنى إن ظهر لنا مرجح عملنا به وإن لم يظهر لنا مرجح ولم نعرف التاريخ نتوقف عن العمل حتى نقدح الذهن في الترجيح وكما قلنا إن ظهر الجمع فحسن وإن لم يظهر لنا الجمع قبل ما نبذل ونجتهد في الترجيح ندرس إمكانية النسخ فإن لم يوجد إمكانية للنسخ نعمل على الترجيح.
من الأمثلة التي استشكلها بعض الصحابة وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه في الجمع بين الأختين بملك اليمين فالله عز وجل يقول"أو ما ملكت أيمانكم"هذا عموم بغض النظر عن الأخوات ويقول الله تعالى"وأن تجمعوا بين الأختين"فالآية الأولى تجوّز الجمع بين الأختين بملك اليمين والثانية تمنع فلما سئل عثمان عن ذلك قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية. وذهب جماهير الفقهاء إلى أن التحريم أغلب قالوا إعمالا لأصل مقرر عند العلماء في أن الأصل في الفروج الحرمة فلما وقعنا في إشكال رجعنا إلى الأصل بناء على إعمال الاحتياط في الفروج وهم في حقيقة الأمر أوقفوا العمل بالآيتين ورجعوا إلى أصل القاعدة التي أيدت"وأن تجمعوا بين الأختين"وللشنقيطي مبحث عجيب في هذه الآية.
نرجع لكلام الماتن: فإن علم التاريخ ينسخ المتقدم بالمتأخر
الحالة الثانية: إن كانا خاصين نجمع بينهما إن أمكن فمثلا: ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ وغسل رجليه وعند النسائي والبيهقي أنه توضأ وغسل يديه وغسل رجليه وهي في نعليه ورش عليهما الماء، هذان حديثان خاصان هذا في حادثة وهذا في حادثة وقع في تتمة الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحالة الثانية الذي رش الماء على رجليه وهما في نعليه قال هذا وضوء من لم يحدث"أي رجل توضأ وصلى ثم دخلت صلاة أخرى ولم يحدث فأحب أن يتوضأ فله أن لا يبالغ في غسل رجليه فإذن هذان خاصان فإن أمكن الجمع بينهما فهذا الواجب وإلا نتوقف حتى تظهر القرينة."
ومن الأشياء التي وقع فيها تعارض زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من ميمونة هل كان محلا أو محرما؟ نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المحرم أن ينكح أو يُنكِح"وقد ثبت في البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم"هذا إشكال. ابن عباس رأى الحادثة وهو صغير وثبت في مسلم عن ميمونة نفسها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو حلال. ميمونة أدرى من