الصفحة 135 من 180

ابن عباس هذان نصان خاصان في مسألة واحدة تعارضا لا يمكن الجمع بينهما فنعمل بالقرائن فنعمل بخبر ميمونة لأن ميمونة أدرى منه في هذه الحادثة من ابن عباس وهذه الحادثة خاصة بميمونة فهي أدرى بها من غيرها ويتأكد هذا بما ثبت عند الترمذي من حديث أبي رافع قال تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - من ميمونة وكنت الرسول بينهما وقال أبي رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حلالا. وهذه قرينة زائدة تؤيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حلالا.

ومن الأمثلة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل ما يحل له من امرأته فقال: ما فوق الإزار وهذا لفظ أبي داود وعند مسلم قال:"اصنعوا كل شيء إلا النكاح"والمراد"إلا النكاح"أي إلا الوطء، الآن الاستمتاع بما تحت الإزار من غير وطء هل هو حلال أو حرام؟ هنا تعارض النصان ففي الحديث الأول يمنع ذلك وفي الثاني يجوّز ذلك فبعضهم رجح التحريم احتياطا وهذا كلام الشافعية والمالكية في المشهور عندهم وبعضهم جوّز ذلك بناء على أن الحِل هو الأصل مع الزوجة وأن المنع من أجل أن لا يكون هنالك ذريعة للوطء فإن أمنت هذه الذريعة فالأمر يوجد فيه سعة وهذا مذهب أبي حنيفة.

الحالة الثالثة: إن كان أحدهما عاما والآخر خاصا فيخصص العام بالخاص: لما يقع عندنا لفظ عام ولفظ خاص نسلط الخاص على العام كقوله تعالى"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما"هذا عام وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا"فالسرقة التي تقطع فيها اليد هذا نص خاص فالخاص يسلط على العام فلا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا.

ومثلا: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"فيما سقت السماء العشر"وهو في الصحيحين فَخُص بقوله"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقه"وهنا لا ينظر للتاريخ كما ذكرنا في مبحث التخصيص خلافا لمذهب الحنفية فالخاص لما نسلطه على العام لا ينظر في التاريخ ولا نحتاج إلى أن نعرف أن الخاص جاء بعد العام فمع جهلنا في التاريخ نخصص على القول الراجح عند العلماء.

الحالة الرابعة: أن يكون أحدهما عاما من وجه وخاصا من وجه فحينئذ نعمل بالجمع إن أمكن والجمع يحتاج إلى قرائن واجتهاد ودقة.

مثال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا ينجس"وقوله"الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه"الحديث الأول خاص في القلتين إذا بلغ الماء القلتين لا ينجس عام في المتغير وغيره والحديث الثاني خاص بالتغير عام في القلتين وما دونهما.

فالآن أيهما يخصص الآخر؟ فهل عموم الأول بخصوص الثاني فيحكم بأن ما دون القلتين ينجس وإن لم يتغير هذا مذهب الشافعية أن النجاسة إن جاءت فيما دون القلتين أصبح الماء نجسا سواء تغير أم لم يتغير بناء على أن منطوق الثاني على أن عموم الثاني خصص الأول. والمالكية عكسوا قالوا: هذا مفهوم مخالفة فلا بد من التغير فيما دون القلتين لأن المنطوق أقوى من المفهوم؛ ما دون القلتين لا ينجس مفهوم مخالفة والماء لا ينجس إلا ما غلب على ريحه أو طعمه هذا منطوق فالماء يبقى على طهارته حتى يتغير.

فإذن أصبح تداخل بين النصوص التي هي عام من وجه خاص من وجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت