فتغير لون الشافعي ثم إنه ذهب فلم يخرج لتلاميذه أيام قال: فخرج من البيت في اليوم الثالث فلم يكن بأسرع أن جاء الشيخ فسلم وجلس فقال: حاجتي فقال الإمام الشافعي: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله عز وجل:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا"فقال الشافعي: لا يصليه جهنم على خلاف سبيل المؤمنين إلا وهو فرض فقال الشيخ: صدقت وقام فذهب فقال الشافعي رحمه الله قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقعت على هذا الجواب.
أدلة الإجماع:
1 -قال الله تعالى"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ... ."الآية اتباع غير سبيل المؤمنين حرام وعليه يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا، ومما ينبغي ذكره أنه لا يصح أن يكون الذم المذكور في الآية إنما هو جزاء مشاقة الرسول فقط أو جزاء اتباع غير سبيل المؤمنين فقط لأنه حينئذ لا يكون ذكر الشيء الآخر فيه فائدة. ولذا قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (ج 19/ 178 -193) قال"ولحوق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية فإنما الوعيد فيها إنما هو على المجموع ويقي القسم الآخر بأن كل من الوصفين يقتضي الوعيد لأنه مستلزم للآخر"انتهى كلامه. بمعنى أن من اتبع غير سبيل المؤمنين شاق الرسول ومن شاق الرسول اتبع غير سبيل المؤمنين فالعلاقة بين الأمرين علاقة لزوم، ولعل في هذا إشارة إلى أن الإجماع لا يمكن أن يتصور إلا مع وجود دليل نقلي إذ يستحيل أن تجتمع العقول على غير دليل ولكن قد يكون الدليل ظاهرا وقد يكون خفيا وقد يعرف من خلال مقاصد الشريعة العامة. ولذا وقع خلاف بين العلماء هل يجوز إحداث قول ثالث إن وقع خلاف بين الصحابة على قولين؟ الراجح أنه لا يجوز إلا إحداث قول فيه تفصيل ولا يلغي هذا التفصيل القولين وإنما يجمع بينهما، مثال: اختلف الصحابة في توريث الجد مع الأخوة في الصورة التالية: مات رجل وترك زوجة وبنات وجد وأخوة فهل يرث الأخوة مع الجد؟ فمنهم من قال: الجد أب ويحرم الأخوة لقول ابن عباس في البخاري"الجد أب"وذكر الإمام البخاري قول الله تعالى على لسان يوسف"واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب"فجعل الجد أبا.
ومنهم من قال: لا يحرم الأخوة ويرثون مع الجد. فلا يجوز أن نحدث قولا ثالثا فنقول إن الأخوة يجبون الجد.
مثال آخر: اختلف الصحابة في متروك التسمية (الذبيحة التي لم يسم عليها عند الذبح) منهم من قال تؤكل ومنهم من قال لا تؤكل يمكن هنا أن نحدث قولا ثالثا فنقول إن تعمد ترك التسمية لا تؤكل وإن نسي التسمية تؤكل وهذا القول لا يلغي قولي الصحابة إنما يجمع بينهما فهذا جائز.
2 -قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لا تجتمع أمتي على ضلالة"ورد هذا الحديث عند الترمذي وابن أبي عاصم والحاكم وغيرهم عن ابن عمر وفيه سليمان بن سفيان المدني وهو ضعيف أعله به الدار قطني وقال تفرد به ولكن الحديث بالجملة صحيح له طرق عديدة جدا منها بلفظ"إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة"أخرجه ابن ماجة وابن أبي عاصم وعبد بن حميد وفيه راو ضعيف وورد أيضا من حديث أبي مالك الأشعري ومن حديث ابن عباس وعن الحسن البصري مرسلا ومن حديث أبي مسعود البدري وهذه الطرق لا تسلم من مقال ولكن الحديث بالمجموع صحيح ولذا قال الزركشي في كتابه المعتبر"واعلم أن طرق هذا الحديث كثيرة لا تخلو من"