الخبر الذي نريده هنا هو طريق ثبوت السنة أو طريق ثبوت الشريعة إلينا والشريعة لا تثبت إلا بالسند والسند بمثابة السلم للبيت فلا يصل الإنسان إلى سطح بيته إلا من خلال السلم وقد قال العلماء قديما لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ولذا الإسناد يفضح الكذابين وهو الطريق الموصل إلى ما هو ثابت أصيل وإلى ما هو كذب دخيل.
الأصل في الأحاديث إما كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإما ثابتة صحيحة ولكن لما بعد العهد بيننا وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصبح بيننا وبينه جملة من الرواة فحينئذ دخل أنواع فالشيء الذي نتيقن أنه قاله من غير أدنى شك هو المتواتر وهو ما رواه عدد من الرواة يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الإسناد.
وهناك الآحاد الذي يكون فيه عدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند يحتمل الكذب ولا يستحيل بسبب قلة عددهم. والآحاد يقسمونه إلى أقسام: غريب، مشهور، عزيز، مستفيض. ومرادهم لما يقولون متواتر وآحاد كلما عدا المتواتر يجعلونه تحت الآحاد بجميع الأصناف ولا سيما الأصوليين لأن الأصوليين يتكلمون عن اليقين وعدمه ويبنون الأحكام على هذا فلما يقولون آحاد ومتواتر فمرادهم بالآحاد ما دون المتواتر بجميع الأصناف المذكورة إن كانت في دائرة الاحتجاج فجميع الأصناف يراد بها هنا غير المتواتر بالآحاد.
ما يدل عليه المتواتر في الحقيقة هو من شأن أهل الصنيعة الحديثية، الأصوليون يقسمون تقسيمات كلية لا يراعون فيها بعض المفردات وعند الفحص نجد أن بعض المفردات عند من يقيمون ثمرة ووزنا لهذا التقسيم تكون الأمور عندهم غير مضبوطة مثل الحنفية أكثر من يقيم وزنا للأحكام العملية بناء على التواتر والآحاد ومع هذا لما نتعرض للمفردات نجد أن تقسيماتهم غير منضبطة فمثلا: الحنفية يفرقون بين الفرض والواجب من جهة وبين المكروه كراهة تحريمية والحرام من جهة أخرى فالواجب والكراهة التحريمية ما ثبت بغير المتواتر والفرض والحرام ما ثبت بالمتواتر فمثلا لبس الحرير للرجال لم يثبت بالتواتر فمذهب الحنفية يقولون استفاض واشتهر حرمة الحرير فنلحقه بالمتواتر فتارة يلحقونه وتارة لا يلحقونه، فالذي أريد أن أصل إليه أن جماهير الأصوليين لا يقيمون وزنا لما ثبت بالتواتر والآحاد والحنفية يقيمون الوزن الكبير لهذا الأمر.
وقع خلاف شديد في العدد الذي يستحيل تواطؤه على الكذب عند الأصوليين: فمنهم من قال أقل عدد للتواتر أربعة لأنه هو أكثر نصاب الشهادة وتراق به الدماء. ومنهم من قال أقل عدد هو اثنا عشر لقول الله تعالى"وبعثنا منهم اثنا عشر رسولا"ولكن الله بعث الرسل لأكثر من قوم فلا فائدة لهذا العدد فلو أن رجلا قال يحتاج التواتر إلى مائة وذكر عددا في القرآن فهذا لا يفيد ولذا بعضهم قال أقل عدد للتواتر هو سبعين لقوله تعالى"واختار موسى قومه سبعين رجلا"ومنهم من قال ثلاثمائة كعدد أصحاب بدر ومنهم من قال ألف وخمسمائة على عدد بيعة الرضوان ومنهم من قال اثنان ومنهم قال خمسة أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان ومن هنا نعلم أن إقامة وزن كبير لموضوع التواتر والآحاد ولا سيما بعد انقطاع عصر الرواية لا ينبغي أن يعلق عليه كبير أمر.
مسألة: هل تؤخذ العقيدة بخبر الواحد أم لا؟ الجواب: تؤخذ
قول الماتن"فالمتواتر ما يوجب العلم ... الخ"أي ما يوجب اليقين القطعي من غير ظن ويوجبه بنفسه من غير قرينة، فمثلا لو حصل حدث ما في مكان ما وجاء جمع من الناس لا يعرفون بعضهم فأخبروا بهذا الحدث فهؤلاء يستحيل تواطؤهم على الكذب فإن أخبروا أن فلانا قال كلمة معينة بحروفها هذا يسمى تواتر لفظي وإن لم يطبقوا على لفظة