رابعا: أن لا يكون منسوخا؛ إذا كان الحكم منسوخا فلا يقاس عليه.
ملاحظات مهمة:
الملاحظة الأولى: مما ينبغي أن يعلم أن القياس لا يثبت حكما شرعيا ولكن هو يكشف عن حكم كان ثابتا للأصل ونحن نلحق النظير بالنظير فالقياس في أصله هو إعمال لشيء له مستند في الشرع وهذا يشبه الإجماع فيستحيل أن تجتمع العقول على شيء غير منصوص ولكن لا يلزم من حجية الإجماع إبراز الدليل وكذلك لا يلزم من حجية القياس معرفة هذه العملية بالتطويل أي أن تقول فرع وأصل .. الخ ولكن يذكر أن هذا ثبت بالقياس، فغاية ما في القياس أنه إظهار لحكم في المقيس تأخر إلى أن كشفه المجتهد فتبرهن عنده وجود علة الحكم لهذا الشيء الذي اجتهد فيه فالقياس مظهر للحكم وليس مثبتا له فعادت الحجية للنصوص فالقول بحجية القياس لا يلغي حجية النصوص ومن الخطأ التوسع في القياس إذ مداره أنه كشف عن شيء ورد في نص ثم نقل إلى صورة شبيهة به.
الملاحظة الثانية: القياس ضرب من ضروب الاجتهاد ولكن القياس أضيق من الاجتهاد فمخطئ من لم يفرق بين الاجتهاد والقياس فكل قياس اجتهاد وليس كل اجتهاد قياس، فالاجتهاد هو بذل الوسع في إظهار الحكم الشرعي أي أن يستفرغ المجتهد وسعه في أن يظهر الحكم الشرعي وقد يكون هذا بإلحاق وقد يكون بغير إلحاق وقد يكون الإلحاق من الشرع بعلة منصوصة وهكذا فالقياس أضيق من الاجتهاد.
[الركن الرابع] : العلة:
العلة: هي الوصف الذي يبنى عليه الحكم بناء على وجوده في الفرع. والأحكام تدور مع العلل وجودا وعدما فإن وجدت العلة وجد الحكم وإن تعطلت العلة تعطل الحكم، والعلة هي المعاني التي أرادها الشرع من وراء الحكم الذي يفترض أن ننقله من الأصل إلى الفرع.
يعرف الأصوليون العلة بأنها وصف ظاهر منضبط؛ فلا بد من أن تكون العلة وصفا ظاهرا ولا تكون وصفا خفيا ولا بد أن يكون هذا الوصف منضبطا ولا يجوز أن يكون مضطردا نسبيا فمثلا: ما علة الجمع أو القصر أو الإفطار في السفر؟
فلو قلنا العلة هي المشقة ولكن المشقة أمر باطن ليس ظاهر ونسبي غير منضبط فقد يسافر أحدهم ويقول لا مشقة في السفر وقد يسافر آخر معه ويقول هناك مشقة في السفر فهذا أمر غير منضبط فلا تعتبر علة فالمشقة هي الحكمة من القصر فقد تتخلف المشقة ويبقى الحكم وأما العلة هي السفر فالسفر أمر ظاهر فأن تركب دابة وتضع طعاما وتمشي مسافة فأنت مسافر وكذلك السفر منضبط بخلاف المشقة فقد يكون هناك مشقة لطالب عنده توجيهي فلا يجوز له الإفطار لأن المشقة ليست علة الحكم وكذلك لو أن إنسانا فرّان والجو حار فعليه مشقة فلا يجوز له أن يفطر وأما ملك سافر سفرا مرفها وعنده أحسن وسائل الراحة فله أن يفطر لوجود العلة فالحكم الشرعي يدور مع العلة ولا يدور مع الحكمة، وقد تنوب الحكمة في بعض المسائل فتعامل معاملة العلة ولكن في أمور ضيقة تكون عندنا أشياء تأذن بمثل هذا الإلحاق تكون قد وردت في النصوص مثل"أراد أن لا يحرج أمته"فالحرج أمر غير منضبط لكن ورد فيه نص ولما يرد الحرج وينصص عليه فنعامله معاملة العلة وتنوب الحكمة عن العلة وإن كانت الحكمة غير العلة والأصل في الأحكام أن تدور مع عللها ولا تدور مع حكمها وهكذا في سائر الأشياء فعلة قتل القاتل هو العمد والعدوان وحرم السرقة حفاظا لأموال الناس فيوجد حِكَم وعلل ولكن الشرع وضع قيودا معينة للعملية أو للشيء الذي يناط به الحكم فتبقى الحكمة