ومن اللفتات التي ينبغي يُنتبه إليها أن من يعمل المعاني يضعف الاستصحاب ومن يضيق المعاني ويعمل النصوص يقوّي الاستصحاب؛ فالاستصحاب قوي في مذهب الشافعية والحنابلة ضعيف عند الحنفية والمالكية لأن فقههم بالجملة قائم على المعاني.
المسألة الثالثة: هل ينقض الوضوء من النجاسات التي تخرج من غير السبيلين أم لا؟ والفقهاء عندهم أن الدم والقيء من النجاسات، الجواب: أنه لا ينقض استصحابا للحال فلا نتحول إلى النقض إلا بدليل ويفترض أن يكون هذا مذهب الشافعي، أما أبو حنيفة قال أجعل ما يخرج من غير السبيلين ملحقا بما يخرج من السبيلين إن كان نجسا وعنده الدم والقيء نجسان، والأحاديث الواردة في نقض الوضوء بالدم والقيء ضعيفة.
قال النووي: مذهبنا أنه لا ينقض الوضوء بخروج شيء من غير السبيلين، وأحسن ما أعتقده في المسألة أن الأصل أن لا نقض حتى يثبت بالشرع ولم يثبت والقياس ممتنع في هذا الباب لأن علة النقض غير معلومة. انتهى
قال جلال الدين المحلي على شرحه على جمع الجوامع قال: الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء عندنا استصحابا لما قبل الخروج من بقائه المجمع عليه. انتهى
فرع: إذا خرج البول من مخرج صناعي أن يفتح فتحة في الجنب هل هذا البول ينقض الوضوء أم لا؟
الحنابلة يقولون البول والغائط من أي مخرج خرج ينقض الوضوء ويقولون المخرج الصناعي له حكم الفرج في المخرج لا في الملمس لأن عندهم لمس الفرج ينقض الوضوء.
المسألة الرابعة: إرث المفقود، رجل له زوجة وأولاد فُقِد وله مال كيف نعامله، نستصحب حياته في حق نفسه وفي حق غيره أم نستصحب حياته في حق نفسه ولا نستصحبها في حق غيره أم نجعل حدا؟
الشافعية يقولون: نستصحب حياته ما لم يأتينا دليل على وفاته في حق نفسه (لا نقسم ماله) وفي حق غيره (لو مات ابنه نصيبه نحفظه له) أو حتى تمضي مدة على حياته يعيش غالبا مثلها الإنسان.
مذهب أبو حنيفة: نستصحب حياته في ماله لكن لا يقوى الاستصحاب عندي فأجعل الحق ينتقل من ذمة إليه أما الشيء الذي له يبقى له فاستصحب أبو حنيفة حياته في حق نفسه والتفت إلى عدم وجوده في حق غيره.
مذهب أحمد: اعتمد الإمام أحمد على الأثر وقال: الفروج أعظم عند الله من الأموال والخلفاء الراشدين قضوا بزوجة المفقود فطلقوها منه بعد أربع سنين فقال أحمد: استصحب حياته في حق نفسه وفي حق غيره أربع سنين وبعد الأربع سنين أجعل حاله كحال الزواج لأن الفروج أعظم من الأموال فنعتبره ميت بعد أربع سنين ونوزع ماله وإن مات ابنه بعد أربع سنوات من فقده نجعله في عداد الأموات.
قال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج: الأصل بقاء الحياة فلا يورث إلا بيقين أما عند البينة فظاهر وأما مضيه مدة مع الحكم فلتنزيله منزلة قيام البينة. انتهى
قال الشافعي في الأم: وكان معقولا عن الله عز وجل ثم عن رسول الله ثم في لسان العرب وقول عوام أهل العلم عندنا أن امرأ لا يكون موروثا أبدا حتى يموت فإذا مات كان موروثا وأما الأحياء فخلاف الموتى فمن ورث حيا دخل عليه والله أعلم خلاف حكم الله عز وجل وحكم رسوله فقلنا والناس معنا بهذا لم يختلف في جملته وقلنا فيه في المفقود وقلنا لا يقسم ماله حتى يعلم يقين وفاته. انتهى