يفرقون بين السمك واللحم فالمفتي عليه أن يعرف عرف السائل وهذا النصيب الذي يتغير بتغير الزمان و المكان فالحكم الشرعي ثابت ولكن إن أنيط بعرف فقد يتغير بتغير الزمان و المكان لأن العرف يتغير بتغير هذين العاملين وكان يقول ابن القيم الذي يفتي الناس على اختلاف أعرافهم بفتوى واحدة كالطبيب الذي يداوي الناس بدواء واحد على اختلاف أمراضهم فذاك يجني على أديانهم وهذا يجني على أبدانهم.
لما تتزاحم الحقائق نقدم الشرعية ولا يجوز لنا أن نفهم القرآن بمعزل عن السنة ولا يجوز أن نفهم السنة بمعزل عن القرآن ولا يجوز أن نفهم السنة بمعزل عما كان عليه الصحابة وهذا من باب تقديم الحقيقة الشرعية فالشرع لا يفهم أصالة إلا بتقديم الحقيقة الشرعية فإن لم يوجد تبقى الحقيقة اللغوية والعرفية وهنا وقع الخلاف أيهما يقدم؟
فالحنفية يقدمون اللغوية والجماهير يقدمون العرفية ويقولون الألفاظ قوالب المعاني ولا نقدس الألفاظ والله عز وجل يريد منا حقائق الأشياء ويتعبدنا بحقائق الأشياء لا بالألفاظ ولا بالرسوم لذا نقدم العرف لأن عرف الناطق يدلل على المعنى الذي يريده فالرجل الذي حلف أن لا يأكل لحما و أكل سمكا فهل عليه كفارة؟ فعند الحنفية عليه كفارة وعند الجماهير ليس عليه كفارة إن وجد بين قوم يفرقون بين اللحم و السمك فاختلفت الحقيقة اللغوية عن العرفية.
مثال آخر: رجل مسلم أعجمي قال لزوجته أنتَ طالق بصيغة التذكير ماذا عليه وهو يريد طلاقها؟ من قدم اللغوية قال لا تطلق ومن قدم العرفية قال تطلق.
واستقر الأمر عند المتأخرين أن علم البلاغة ثلاثة أقسام: المعاني والبيان والبديع والبيان يقسمونه أيضا إلى أقسام يدخل فيه المجاز و الاستعارة و التشبيه والكناية واستقر الأمر إلى أن قالوا حقيقة و مجاز والمجاز قسموه إلى قسمين ... أ- المجاز العقلي: وهو إذا أسند الفعل إلى غير من يفعله نحو"نبت الكلأ ومات فلان"
ب_ المجاز اللغوي: ويقسم إلى قسمين: مفرد ويكون بالزيادة والنقصان، ومركب وهو مجاز استعارة أو كناية.
والعرب عندهم حقيقة إفرادية وتركيبية وقال أئمة اللغة إن العرب توسعت في كلامها فمثلا من الأبواب المذكورة في الكتاب لسيبويه قال: باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لاتساعهم في الكلام وللإيجاز و الاختصار، فقال: فمن ذلك أن تقول على هذا القول كم صيد عليه؟ فقيل صيد عليه يومان وإنما المعنى صيد عليه الوحش في يومين وهذا من التوسع وقال: ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى"وسئل القرية التي كنا فيها و العير التي أقبلنا فيها"قال إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل ومثل ذلك من كلامهم بنو فلان يطأهم الطريق والمراد أهل الطريق.
وعلى نحو هذا كلام الفراء في كتابه معاني القرآن عند قوله تعالى"فما ربحت تجارتهم"ربما قال القائل كيف تربح التجارة وإنما يربح التاجر؟ وذلك من كلام العرب ربح بيعك و خسر بيعك فحسن القول بذلك لأن الربح و الخسران إنما يكون في التجارة فعلم معناه ومن مثل ذلك قول العرب هذا ليل النائم ومثله قوله تعالى"فإذا عزم الأمر"فإن العزيمة للرجال.
وقال الإمام الشافعي وهو من أئمة اللغة: في الرسالة ص 62 - 64