هذا العمل وفعله على هذا النحو هو المقدار الذي أوجبه الله من قوله"أيديهما"فأصبح هذا التقييد واجب و الأيدي ليست على إطلاقها وإنما قيدت بفعله.
مثال: قال الله تعالى:"وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم"هنا قيد اللاتي دخلتم بهن فالرجل يجوز له أن يتزوج ابنة المرأة التي عقد عليها ولم يدخل بها.
مسألة: لماذا نحمل المطلق على المقيد ولا نحمل المقيد على المطلق؟
نحن نحمل المطلق على المقيد لأسباب أشهرها اثنان:
أولا: المطلق ساكت ليس فيه بيان والمقيد فيه بيان ونحن نحمل الساكت الذي ليس فيه بيان على الذي فيه بيان ولذا قلنا المطلق المقيد أصلا لما قيده الشرع، الشرع لم يرده إلا مقيدا وهذا فرق جوهري بينه وبين التخصيص.
ثانيا: أننا إن لم نحمل المطلق على المقيد نكون قد أهدرنا القيد ويكون القيد الذي ذكره الشرع لا فائدة منه والأصل أن يصان كلام العقلاء عن الهدر وعن عدم الفائدة ثم لما نحمل المطلق على المقيد فيه إعمال لجميع الأدلة فإن المطلق لا يراد إلا وهو مقيد فلو أهدرنا القيد وأعملنا المطلق نكون قد أهملنا دليلا، لذا نستطيع أن نقول أن قاعدة الإعمال أولى من الإهمال تدخل فيها قواعد كثيرة جدا ومن ضمن القواعد التي تدخل تحتها هذه القاعدة وما اجدر هذه القاعدة بالتصنيف والجمع وذكر الفروع التي تحتها.
قال أبو عبيدة حفظه الله: مدار كلام العلماء على الإطلاق والتقييد إنما هو من حيثيتين وهاتان الحيثيتان قد تلتقيان وقد تفترقان فتصبح على مبدأ الإحتمالات أربعة صور، والحيثيتان التي يركب عليها التقيد وعدمه في حمل المطلق والمقيد هو الحكم والسبب؛ الحكم الذي جاء في النص والسبب الذي ورد النص من اجله:
الحالة الأولى: أن يتحد الحكم والسبب معا؛ في هذه الحالة يجب حمل المطلق على المقيد اتفاقا.
الحالة الثانية: أن لا يتحد الحكم و لا يتحد السبب؛ في هذه الحالة لا يجوز حمل المطلق على المقيد اتفاقا.
الحالة الثالثة: أن يختلف الحكم ويتحد السبب.
الحالة الرابعة: أن يتحد الحكم ويختلف السبب.
الصورتان الأخيرتان لا يوجد فيهما إجماع ولكن يوجد فيهما قول راجح وبه قال جماهير العلماء، ومن مظنة اختلاف الحكم أن يكون القيد معتبرا ولذا ذهب جمهور علماء الأصول أن الحكم إذا اتفق واختلف السبب فيحمل المطلق على المقيد وإذا الشرع بين الأحكام فما خولف الحكم إلا لأن القيد معتبر وحينئذ في مثل صورة اختلاف الحكم واتفاق السبب لا يحمل المطلق على المقيد.
أمثلة على الحالة الأولى:1 - قال الله تعالى"حرمت عليكم الميتة والدم"الدم هنا مطلق بجميع صور الدم، ثم قال الله تعالى"قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا"الدم هنا مقيد
الحكم في الآيتين هو حرمة أكل الدم؛ في الآية الثانية يوجد حصر ولذا اعتمد الإمام مالك على هذه الآية وجعلها أصلا في تحريم المطعومات وما عداها أحله ولذا أوسع المذاهب على الإطلاق في المطعومات مذهب مالك