الملاحظة الخامسة: الإشكال لا يقع في الأحكام التكليفية العملية ومشكل الكتاب والسنة جلها في أمور تصورية، منهم من قال: لا يتصور أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا المجمل، وهذا صحيح بشرط أن نعترف بوجود المشكل فيصبح الخلاف لفظيا، وألف ابن قتيبة تأويل مختلف الحديث وألف الطحاوي مشكل الآثار.
البيان: في اللغة: بين الشيء أظهره وبين فارق لذا يقال هذا فيه بون أي فرق ومدار فعل بين على التميز وكشف الخفاء وانجلاء الأمر، والبيان هو الظهور والوضوح والبيان في اللغة مداره على الظهور والوضوح.
والبيان في الاصطلاح اختلف العلماء في تعريفه: فقال الماتن: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي. وقال بعضهم: البيان هو الدليل الذي حصل به الإيضاح وبعضهم قال: هو العلم الحاصل من الدليل.
هناك بعض المؤاخذات التي تنبني على مسألة هل يشترط في كل بيان أن يسبقه خفاء؟
ذهب جماهير الأصوليون إلى أن البيان يشترط فيه إظهار ما فيه خفاء فالشيء الذي لم يكن فيه خفاء هذا لا يسمى أي لا يكن هنالك بيان هو نص بأصله.
قال الماتن البيان إخراج ... الخ لا يستلزم من الإخراج الدخول فلم ينصص الماتن في تعريفه أنه يسبق البيان خفاء وكذلك التبيين أمر غير مادي بل هو معنوي والأمر المعنوي لا يوصف بالاستقرار في الحيز لأن الحيز وضع للشيء المادي.
بماذا يقع البيان؟
عند جماهير الأصوليين يجوز بيان المتواتر من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأخبار الآحاد ويجوز بيان المنطوق بالمفهوم وبيان المفهوم بالمنطوق وبيان المنطوق بالمنطوق وبيان المفهوم بالمفهوم.
مثال: بيان المنطوق بالمنطوق، قال الله تعالى"إلا ما يتلى عليكم"في معرض التحريم وهذا منطوق وهذا بين بمنطوق مثله وهو قول الله تعالى"حرمت عليكم الميتة ... .الخ".
مثال: بيان المفهوم بالمفهوم، قال الله تعالى"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب"المحصنات أي العفيفات، لكن العفيفات الحرائر أو الإماء؟ هنا وقع خلاف لأن لفظ الإحصان يشمل عدة معان: الحر و المتزوج والمسلم فقالوا: لا يجوز الزواج من الكتابية الأمة من مفهوم الآية ولكن هذا المفهوم بُين بمفهوم آخر من آية أخرى وهي"ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات"فمفهوم الآية هنا عدم زواج الأمة غير المؤمنة وهذا المفهوم بين المفهوم في الآية السابقة.
مثال: بيان مفهوم بمنطوق، قال الله تعالى"هدى للمتقين"مفهوم الآية أن القرآن ليس هدى لغير المتقين وهذا المفهوم بُين بمنطوق آية أخرى"والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى"فصلت.
نستطيع أن نقول ونجمل أن مذهب الأصوليين هو"أنه يصح بيان الإجمال بكل ما يزيل الإشكال".
المبينات:
إن البيان يقع بالقول وأقوى شيء في البيان القول.
مثال: على فرض أن البقرة التي أُمر بنو إسرائيل بذبحها أنها مجملة (ووقع خلاف في أنها مجملة تحتاج إلى بيان أو مبهمة وتجزأ أي بقرة ولكنهم تعنتوا) فبينها الله بالقول"إنه بقرة لا فارض و لا بكر ..."الآيات.