الصفحة 2095 من 10106

يَرْضَى به الرَّبُّ. والأَوّلُ أَقوَى وأَشَقُّ، فلذا قِيلَ: تَسْقُطُ العِبَادةُ في الآخِرَةِ لا العُبُودةُ، لأَنّ العُبودَةَ أَن لا يَرَى مُتَصَرِّفًا في الدَّارَيْنِ في الحقيقةِ إِلّا الله.

قال شيخنا: وهذا مَلْحَظٌ صُوفِيٌّ لا دَخْلَ للأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ فيه.

وفي اللّسان: ولا فِعْلَ له عند أَبي عُبَيْد.

قلْت: وهو الّذِي جَزَم به أَكثَرُ شُرّاحِ «الفَصِيح» . وحكَى اللِّحْيانيّ: عَبُد عُبُودَةً وعُبُودِيَّةً.

قلت: وأَوضَحُ منه قولُ ابن القَطَّاعِ في «كتاب الأَفعال» ، فقال: عَبُد العَبْدُ عُبُودَةً وعُبُودِيَّةً. وأَما عَبَدَ الله فَمَصْدَرُهُ: عِبَادَة وعُبُودة وعُبُودِيّة، أَي أَطاعه.

وفي اللّسَان: وعَبَد الله يَعبُده عِبادَةً ومَعْبَدًا ومَعْبَدةً: تَأَلَّه له.

وقال الأَزهريُّ: اجتمعَ العامَّةُ على تَفْرِقَةِ ما بين عِبادِ اللهِ، والممالِيكِ، فقالوا: هذا عَبْدٌ من عِبادِ اللهِ، وهؤلاءِ عَبِيدٌ مماليكُ. قال: ولا يُقَال عَبَدَ يَعْبُدُ عِبادةً إِلَّا لمَن يَعْبُد الله، ومن عَبَدَ [من] (1) دُونِهِ إِلهًا فهو من الخاسِرِينَ. قال: وأَما عَبْدٌ خَدَمَ مَوْلاهُ فلا يُقَال: عَبَدَهُ. قال اللّيث: ويقال لِلْمُشْرِكِينَ: هم عَبَدَةُ الطَّاغُوتِ، ويقال للمُسْلِمين: عِبَادُ اللهِ يَعْبُدونَ اللهَ. وقال الله عَزَّ وجَلَّ: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (2) أَي أَطِيعُوا رَبَّكُمْ.

وقولُه (إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ) (3) أَي نُطِيعُ الطّاعَةَ التي يُخْضَع (4) مَعَهَا، قال ابنُ الأَثِير (5) : ومعنى العِبَادَةِ في اللُّغة: الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوع.

وقوله تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ) (6) . قرأَ أَبو جَعْفَرٍ، وشَيْبةُ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأَبو عَمْرٍو والكِسَائِيُّ: (وَعَبَدَ الطّاغُوتَ) قال الفَرَّاءُ: وهو مَعْطُوفٌ على قوله عَزَّ وجَلَّ: (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ) وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ.

وقال الزَّجَّاجُ: هو نَسَقٌ على: (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ) ، المعنَى: مَن لَعَنَه اللهُ، ومَن عَبَدَ الطَّاغُوتَ مِنْ دُونِ اللهِ، عَزَّ وجَلَّ، أَي أَطاعَةُ ـ يَعْنِي الشَّيْطَانَ ـ فِيمَا سَوَّلَ له وأَغْواه.

قال الجوهَريُّ: وقرأَ بعضُهُم: وعَبُدَ الطَّاغُوتِ وأَضافَهُ.

قال: والمَعْنَى، فيما يُقَال: خَدَمُ الطَّاغُوتِ. وقد تَقَدَّم فيه الكلامُ. وقال الليث: [ومن قرأ:] (7) وعَبُدَ الطاغُوتُ معناه: صار الطَّاغُوتُ يُعْبَدُ، كما يُقَالُ: ظَرُف الرّجُلُ وفَقُهَ.

وقد غَلّطَه الأَزْهَرِيّ. وقرأَ ابنُ عَبَّاسٍ: وعُبَّدَ الطاغوتِ بِضمّ العَيْنِ، وتَشْدِيد المُوَحَّدَةِ، جمعُ عابِدٍ، كشَاهِدٍ وشُهَّدٍ وقُرِئ: وَعَبَدَ الطّاغوتِ محركةً وخَفْض الطاغُوتِ، وهو أَيضًا جمع عابِدٍ، وأَصله: عَبَدَةٌ، ككافِرٍ وكَفَرَةٍ، حُذِفَتْ منه الهاءُ وقُرِئَ وعَابِدَ الطَّاغُوتِ، مثل: ضارِب الرَّجُلِ، وهي قراءَة ابن أَبي زائدة، وقرِئ وعُبُدَ الطَّاغُوتِ، جمع عابِدٍ. قال الزَّجَّاجُ: هو جَمْع عَبِيدٍ، كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، وهي قراءَة يَحْيَى بنِ وَثَّابٍ، وحَمزة (8) . ورُوِيَ عن النَّخَعِيّ أَنه قَرَأَ: وعُبْدَ (9) الطَّاغُوتِ باسكانِ الباءِ، وفتْح الدَّالِ.

وقُرِئَ وعَبْدَ الطَّاغُوتِ، بفتح فسكون، وفيه وَجْهَانِ: أَحدُهما أَن يكونَ مُخَفَّفًا من عَبُدٍ، كما يقال: في عَضُدٍ: عَضْدٌ. وجائزٌ أَن يكونَ عَبْد اسمَ الواحِد يَدُلُّ على الجِنْس، ويجوز في عَبْد النَّصْبُ والرَّفْعُ. وذكر الفَرَّاءُ أَنَّ أُبَيَّا وعبدَ اللهِ قرآ وعَبَدُوا الطَّاغُوتَ. ورُوِيَ عن بَعْضِهِم أَنَّهُ قَرَأَ وعُبَّادَ الطَّاغُوتِ.

قلت: ونسبها ابنُ القَطَّاعِ إِلى أَبي واقِدٍ. قال الأَزْهَرِيُّ: ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ وعُبِّدَ الطّاغوتُ مَبْنِيًّا للمَجْهُولِ.

ورُوِيَ عنه أَيضًا: وعُبَّدَ الطَّاغُوتِ بِضَمٍّ، فتشديد، معناه عُبَّادُ الطَّاغُوتِ. وقُرِئ: وعُبِدَ الطَّاغُوتُ مَبْنِيًّا للمجهول، كضُرِب، وهي قراءَةُ أَبي جَعْفَرٍ. وقرأَ أَبيُّ بنُ كَعْبِ وعَبَدَة

(1) زيادة عن التهذيب.

(2) سورة البقرة الآية 21.

(3) سورة الفاتحة الآية 5.

(4) التهذيب: نخضع.

(5) كذا، وهو قول الزجّاج كما في التهذيب.

(6) سورة المائدة الآية 60.

(7) زيادة عن التهذيب.

(8) في التهذيب: وعَبُد الطاغوتِ هي قراءة يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة.

(9) في التهذيب: وعُبُدَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت