الصفحة 2458 من 10106

وفي الحديث. ذُكِرَ «ذو أَمَرٍ، ـ محرَّكةً ـ وهو موضعٌ بنَجْدٍ مِن ديار غَطَفَانَ، قال مُدْرِكُ بنُ لأْيٍ:

تَرَبَّعَتْ مُوَاسِلًا وذا أَمَرْ ... فمُلْتَقَى البَطْنَيْنِ مِن حيثُ انْفَجَرْ (1)

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خَرَجَ إِليه لجَمْع مُحَارِب، فهربَ القومُ منه إِلى رُؤُوس الجِبال، وزَعِيمُهُم دُعْثُورُ بنُ الحارثِ المُحَارِبيُّ، فعَسْكَر المسلمون به.

وذو أَمَرّ، مثلُه مشدَّدًا: ماءٌ أَو قريةٌ مِن الشام.

والأَمِيرِيَّة، ومَحَلَّةُ الأَمِير: قَرْيَتَانِ بمصر.

تَذْيِيلٌ

قال الله عَزَّ وجَلَّ: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) (2) ، قال ابن منظور: أَكثرُ القراءِ «أَمَرْنا» ، ورَوَى خارِجَةُ عن نافع: «آمَرْنَا» بالمَدّ، وسائرُ أَصحابِ نافِعٍ رَوَوْه عنه مَقْصُورًا. ورُوِىَ عن أَبي عَمْرٍو:

«أَمَّرْنَا» ، بالتَّشْدِيد، وسائرُ أَصحابِه رَوَوْه بتخفِيفِ المِيمِ وبالقَصْر، وَرَوَى هُدْبَةُ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ابنِ كَثِيرٍ بالتَّشديد، وسائرُ النَّاسِ رَوَوْه عنه مخفَّفًا، وَرَوَى سَلَمَةُ عن الفَرّاءِ: مَنْ قرأَ: «أَمَرْنا» خَفِفَةً فَسَّرها بعضُهُم (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) بالطّاعَة (فَفَسَقُوا فِيها) ، أَن (3) المُتْرَفَ إِذا أُمِرَ بالطَّاعَة خالَفَ إِلى الفِسْق، قال الفَرّاءُ: وقرأَ الحَسَنُ: «آمَرنا» ، ورُوِىَ عنه: «أَمَرْنا» ، قال: ورُوِىَ عنه أَنه بمعنى أَكْثَرْنَا، قال: ولا نرَى أَنها حُفِظَتْ عَنْه؛ لأَنَّا لا نعرفُ معناها هنا، ومعنى آمرنا ـ بالمَدِّ أَكثَرْنا، قال: وقرأَ أَبو العالِيَةِ: أَمَّرنا، وهو موافِقٌ لتفسِيرِ ابنِ عَبّاس؛ وذلك أَنّه قال: سَلَّطْنَا رُؤَسَاءَهَا ففسَقُوا، وقال الزَّجّاج نحوًا ممّا قال الفَرّاءِ، قال: ومَن قرأَ:

«أَمَرْنا» بالتَّخْفِيف، فالمعنى أَمَرناهم بالطّاعة ففسَقوا، فإِن قال قائلٌ: أَلستَ تقول: أَمَرْتُ زيدًا فضَرَب عَمْروًا، والمعنى أَنكَ أَمَرْتَه أَن يَضْربَ، فهذا اللَّفْظُ لا يَدُلّ على غير الضَّرْب، ومثلُه قولُه: فَعَصَيْتَنِي؛ فقد عُلِمَ أَنّ المَعْصِيَةَ مخَالَفَةُ الأَمرِ، وذلك الفِسقُ مخالفة أَمْرِ اللهِ، وقرأَ الحَسَنُ: أَمِرْنَا مُترفيها على مِثال عَلِمْنَا، قال ابنُ سِيدَه: وعَسى أَن تكون هذه لغةً ثالثةً قال الجَوْهَريُّ: معناه أَمَرْنَاهُم بالطّاعة فعَصَوْا، قال: وقد تكونُ مِن الإِمارة، قال: وقد قِيل: أَمِرْنَا مُتْرَفِيها: كَثَّرْنَا مُترَفِيها، والدليلُ على هذا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «خيرُ المالِ سِكَّةٌ مأْبُورَةٌ أَو مُهْرَةٌ مَأْمُورةٌ» ، أَي مُكَثِّرةٌ.

تَكْمِيلٌ:

وإِذَا أَمَرْتَ مِن أَمَرَ قلتَ: مُرْ؛ وأَصلُه اؤْمُرْ (4) فلما اجتمعتْ همزتانِ وكَثُرَ استعمالُ الكلمةِ حُذِفت الهمزةُ الأَصليّةُ، فزال السّاكنُ فاستُغْني عن الهمزةِ الزائدِة، وقد جاءَ على الأَصْل، وفي التَّنْزِيل العزيز: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) (5) ، وفيه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (6) . وفي التَّهْذِيبِ: قال اللَّيْث: ولا يُقال: أُومُرْ ولا أُوخُذْ منه شيئًا، ولا أُوكُلْ (7) . إِنّمَا يقال: مُرْ وكُلْ وخُذْ، في الابتداءِ بالأَمْر؛ استثقالًا للضَّمَّتَيْنِ، فإِذا تقدَّم قبلَ الكلام واوٌ أَو فاءٌ قلتَ: وأمُرْ، فأمُرْ، كما قال عزوجل: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) ، فأَمّا كُلْ مِن أَكلَ يأْكُل فلا يكادُ (8) يُدخِلُون فيه الهَمْزةَ مع الفاءِ والواوِ، ويقولُون: وكُلَا، وخُذَا، وارْفَعَاه فكُلَاه، ولا يقولون: فَأْكُلَاه، قال: وهذه أَحْرفٌ جاءَتْ عن العربِ نَوَادِرَ؛ وذلك أَنّ أَكثرَ كلامِهَا في كلِّ فِعْلٍ أَولُه همزةٌ، مثلُ أَبَلَ يَأْبِلُ، وأَسَرَ يَأْسِرُ، أَنْ يَكْسِرُوا يَفْعِلُ منه، وكذلك أَبَقَ يَأْبِقُ فإِذا كان الفِعْلُ الذي أَولُه همزةٌ ويفْعِلُ منه مكسورًا مَرْدُودًا إلى الأَمْر، قيل: إِيسرْ فلانُ، إِيبِقْ يا غُلامُ، وكان (9) أَصْلُه إِأْسِرْ بهمزتَيْن، فكَرِهُوا جَمْعًا بين همزَتَيْن فحَوَّلُوا إِحداهما ياءً، إِذْ كان ما قَبلَها مكسورا، قال: وكان حَقُّ الأَمر مِن أَمَرَ يَأْمُرُ أَن يقال: أُؤمُرْ، أُؤْخُذْ، أُؤْكُلْ، بهمزتينْ، فتُرِكَتْ الهمزةُ الثانيةُ وحُوِّلتْ واوًا للضَّمَّةِ، فاجتمعَ في الحَرْف ضَمَّتَان بينهما واوٌ، والضَّمَّةُ مِن جنس الواو،

(1) مواصل: جبل، والبطنان: موضعان.

(2) سورة الإسراء الآية 16.

(3) بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: أن الخ كذا بخطه وباللسان أيضًا، ولعل الظاهر: إذ.

(4) عن التهذيب، وبالأصل: «أؤمر» .

(5) سورة طه الآية 132.

(6) سورة الأعراف الآية 132.

(7) عبارة التهذيب: «ولا يقال: أؤمر فلانًا، ولا أؤخذ منه شيئًا ولا أؤكل» وما في الأصل يتفق مع اللسان نقلًا عن التهذيب.

(8) في التهذيب: يكادون.

(9) التهذيب واللسان: وكأن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت