الصفحة 72 من 10106

وفُتات المِسك وقِطَع الثَّلج والسُكَّر ولُعَاب العَسل ورغْوَتهُ وما تقطَّع من النَّدى على الشجر، والمراد هنا المعنى الأَوَّل، وزعم بعضهم المعنى الأَخير. الطَّلِّ هو الندَى أَو فوقه ودون المطر، ويطلق على المطر الضعيف، وليس بمرادٍ هنا، وإِضافة الرُّضاب إِليه من قَبِيل إِضافة المشبَّه به إِلى المشبَّه، أَي الطلّ الذي في الأَزهار بين الأَشجار، كالرُّضاب في فم الأَحباب، كقوله:

والرِّيحُ تَعْبَثُ بالغُضُونِ وقَد جَرَى ... ذَهَبُ الأَصِيلِ عَلَى لُجَيْنِ المَاءِ (1)

أَي ماء كاللُّجَين، ومن قال إِن الإِضافة بيانِيَّة فقد أَخطأ، وكذا من فسَّر الرُّضابَ السَّحِّ، والطلّ بأَخفِّ المَطر، فكأَنه أَجاز إِضافة الشي ء إِلى نفسه مع فساد المعنى، على أَن السحَّ إِنما هو من معاني الرَّاضِبة دون الرُّضاب، كما سيأْتي في محلّه. من كِظَامٍ متعلّق برشفت، وهو بالضم جمع كَظَمٍ مُحرَّكة وهو الحَلْق أَو الفم. وفي الأَربعين الودعانية: فبادِرُوا في مُهَل الأَنفاس، وحْدَة الإِخلاس، قبل أَن يُؤخَذ بالكَظَم. ومنهم من فسروه بأَفواهِ الوادي والآبارِ المتقارب بعضُهَا بعضًا، وقيل: الكِظامة: فمُ الوادي الذي يخرج منه الماء وليس في الكلام ما يدلُّ على الأَودية والآبار ولا بتقارب بعضها بعضًا، كما فسّروه، لا حقيقةً، ولا مجازًا، ولا رمزًا، ولا كنايةً، وفي بعض الشروح كِظَام الشي ءِ: مبدؤُه، والصحيح ما أَشرنا إِليه. الجُلِّ بالضم، كذا هو مضبوط في نسخة شيخنا الإِمام رضيّ الدين المِزجاجي، قيل: معناه مُعظَم الشي ء، وقيل: هو بالفتحِ، وفسّره بالياسمين والورد أَبيضِه وأَحمرِه وأَصفره، والواحدة بهاء، أَما المعنى الأَوّل فليس بمرادٍ هنا قطعًا لأَنه حينئذ لا يُذكَر إِلا مضافًا، لفظًا أَو تقديرًا، ككلّ وبعض، وهذا ليس كذلك، أَما رواية الفتح فهي أَيضًا غير صحيحة، وقد باحَثَني في ذلك شيخُنا الإِمام المذكور، أَطال الله بقاءه، حين وصلتُ إِلى هذا المحلّ عند القراءة بحضرة شيخنا السِّيد سليمان الأَهدل وغيره، فقلت: الذي يعطيه مَقام اللفظِ أَن اللفظة مُعَرّبة عن الفارسيّة، ومعناه عندهم الزّهر مطلقا، من أَي شجرٍ كان، ويصرف غالبًا في الإِطلاق عندهم إِلى هذا الورْد المعروف، بأَنواعه الثلاثة: الأَحمر والأَبيض والأَصفر، فأَعْجِبا بما قرَّرْت وأَقَرَّاه. والجَادِي قال قاضي كَجرات: هو طالب المَطر، عطف على الطفاوة، أَي وما أَخذ الجادي الماءَ من السحاب، وقيل: هو الخمر، عطف على رُضاب، ولا يخفى أَن فيما ذكر من المعنيين تكلُّفًا، والصحيح أَنه نوع من الزَّهرِ كالنرجس والياسمين، وهو المناسب، ومن قال: إِنه عطفُ تفسيرٍ لما قبله فقد أَخطأَ، فإِن الجلّ إِنما يُطلقُ على الياسمين والورد فقط، كما قدّمنا، ثم إِن الذي تقدم آنفًا مقرونًا بالعبْهرِ فمعناه الزعفران لا غير، فلا يكون إِعادته هنا لإِيضاحٍ أَو غير ذلك، كما وهِم فيه بعضُ الشرَّاح، لاختلاف المعنيين، قال شيخُنا: وفي رشفْتُ الاستعارة بالتبعيَّة، لوجود الفعل وهو مشتق، ويجوز أَن يكون بالكناية، كأَنشَبت المنيَّةُ أَظفارَها، وأَن يكون استعارة تصريحيّة، فإِذا اتضح ذلك عرفت أَن الرُّضاب الذي هو الريق شُبِّه به الطلّ، والشمس الذي هو معنى الطفاوة شُبِّه بشخصٍ مرتشِف لذلك الرِّيق، وجَعَل له أَفواهًا وثغورًا هي كِظام الجلِّ والجادي هما الورد والنرْجس والياسمين، وإِن كان تشبيههَا بالأَقاحِ أَكثَر دورانًا، كما قال الشاعر:

بَاكِرْ إِلَى اللَّذَّاتِ وارْكَبْ لَهَا ... سَوَابِقَ الخَيْلِ ذَوَاتِ المِرَاحْ ...

مِنْ قَبْلِ أَنْ تَرْشفَ شَمْسُ الضُحَى ... رِيقَ الغَوَادي مِن ثُغورِ الأَقَاحْ

وبَعْدُ كلمة يُفصَل بها بين الكلَامَينِ عند إِرادة الانتقال من كلام إِلى غيره، وهي من الظروف، قيل: زمانيّة، وقيل: مكانيَّة، وعامله محذوفٌ، قاله الدَّماميني، والتقدير، أَي وأَقول بعد ما تقدَّم من الحمد لله تعالى والصلاة والسلام على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فإِنّ بالفاء، إِما على تَوهُّم أَمَّا، أَو على تقديرها في نظْمِ الكلام، وقيل: إِنها لإِجراء الظرف مُجْرَى الشرْط، وقيل: إِنها عاطفة، وقيل زائدة. للعلمِ أَي بأَنواعِه وفُروعه. رِيَاضًا جمع رَوْضة أَو رَيْضة، وقد تقدم شي ء من معناها، ويأْتِي في مادته ما هو أَكثر. وحِيَاضًا جمع حَوْض، وهو مُجتَمع الماء. وخَمائِلَ جمع خَمِيلة وهي من الأَرض المكرِمة للنَّبات، والرمْلة التي تُنبت الشجر، وقالوا هي الشجر الملتفّ، والموضع الكثيرُ الشجرِ. وغِيَاضا جمع غَيْضة، وهي الغَابَة الجامعة للأَشجار

(1) البيت لابن خفاجة الأندلسي، ديوانه ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت