فهرس الكتاب
قَالَ: فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ, فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرُ الأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ, فَتُنْبِتَ، وَتَرُوحُ (1) عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ (2) أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًى (3) ، وَأَشْبَعَهُ ضُرُوعًا (4) ، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ (5) ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ (6) قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ, فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ (7) ، مَا بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يَمُرَّ بِالْخَرِبَةِ (8) ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ, فَيَنْطَلِقُ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ (9) ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً، فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْنِ (10) ، رَمْيَةَ الْغَرَضِ (11) ، ثُمَّ يَدْعُوهُ، فَيُقْبِلُ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ.
فَبَيْنَمَا (12) هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ بَعَثَ اللهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ مَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ، شَرْقِيَّ دِمَشْقَ (13) ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ (14) ، وَاضِعًا (15) كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَ يَنَحَدِرُ مِنْهُ (16) جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ (17) ، وَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ أَنْ يَجِدَ رِيحَ نَفَسِهِ إِلاَّ مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرَفُهُ، فَيَنْطَلِقُ حَتَّى يُدْرِكَهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ (18) ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي نَبِيُّ اللهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمِ قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ، فَيَمْسَحُ وُجُوهَهُمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ, إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: يَا عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لاَ يَدَانِ لأَحَدٍ (19) بِقِتَالِهِمْ، فَأَحْرِزْ (20) عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ (21) يَنْسِلُونَ (22) } فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، ثُمَّ يَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ فِي هَذَا مَاءٌ مَرَّةً.
(1) وتروح؛ أي ترجع آخر النهار.
(2) سارحتهم؛ أي ماشيتهم.
(3) ذري) جمه ذروة وهو أعلى سنام البعير.
(4) وأسبغه ضروعا؛ أي أطوله لكثرة اللبن.
(5) وأمده خواصر) لكثرة امتلائها من الشبع.
(6) فيردون عليه؛ أي فيكذبونه.
(7) ممحلين) مجدبين.
(8) بالخربة؛ أي بالأرض الخراب.
(9) كيعاسيب النحل؛ هي جماعة النحل. وكنى عن الجماعة باليعسوب. هو أميرها لأنه متى طار تبعته جماعته.
(10) جزلتين؛ أي قطعتين.
(11) رمية الغرض) قال الإمام النووي ومعنى رمية الغرض أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رميته. هذا هو الظاهر المشهور. وحكى القاضي هذا ثم قال وعندي أن فيه تقديما وتأخيرا. وتقديره فيصيبه إصابة رميه الغرض فيقطعه جزلتين. والصحيح الأول اه -.
(12) في طبعة الرسالة: «فَبَينا» .
(13) المنارة البيضاء شرقي دمشق) قال الحافظ ابن كثير هذا هو الأشهر في موضع نزوله. قال وقد وجدت منارة في زماننا في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة من حجارة بيض. ولعل هذا يكون من دليل النبوة الظاهرة.
(14) بين مهرودتين) قال الإمام النووي معناه لابس مهرودتين. أي ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران.
(15) واضع) كذا بصورة المرفوع في نسخ ابن ماجة. وفي مسلم واضعا بالنصب وهو ظاهر. ولا يستبعد أن يقرأ بالنصب. فإن أهل الحديث كثيرا ما يكتبون المنصوب بصورة المرفوع.
(16) في نسخة الأزهرية، وطبعة الرسالة:"يتحدر»، وفي المحمودية: «وإذا رفع رأسه ينحدر» . والمثبت عن طبعات: الجيل، والصِّدِّيق، والتأصيل: «وإِذا رفعه يَنحَدر منه» ."
(17) جمان كاللؤلؤ) قال الإمام النووي الجمان حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار. والمراد يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه. فسمى الماء جمانا لشبهه به في الصفاء.
(18) باب لذ) بلدة قريبة من بيت المقدس.
(19) لا يدان لأحد؛ أي لاقوة ولاقدرة ولاطاقة. وفي النهاية المباشرة والدفاع إنما تكون باليد. فكأن يديه معدومتان لعجزه عن الدفاع.
(20) وأحرز) من الإحراز وهو الجمع والضم والإدخال في الحرز.
(21) حدب؛ أي مرتفع من الأرض.
(22) ينسلون؛ أي يسرعون.