الصفحة 272 من 280

وذهب ذاهبون إلى أنه لا تقبل توبته ، وزعموا أن هذا الباب لو فتح لم يكن حسم مادتهم وقمع غائلتهم ، فإن من سر عقيدتهم التدين بالتقية والاستسرار بالكفر عند استشعار الخوف . فلو سلكنا هذا المسلك لم يعجزوا عن النطق بكلمة الحق وإظهار التوبة عند الظفر بهم ، فيلهجون بذلك مظهرين ويستهزئون بأهل الحق مضمرين ... ولكن أبو حامد الغزالي يقسم هؤلاء إلى ثلاثة أقسام:

الحالة الأولى: أن يتسارع إلى إظهار التوبة واحد منهم من غير قتال ولا إرهاق واضطرار ، ولكن على سبيل الإيثار والاختيار متبرعا به ابتداء من غير خوف ، واستشعار هذا ينبغي أن يقطع بقبول توبته ...

الحالة الثانية: الذي يسلم تحت ظلال السيوف ، ولكنه من جملة عوامهم وجهالهم ، لا من جملة دعاتهم وضلالهم ، فهذا أيضا تقبل توبته ، فمن لم يكن مترشحا للدعوة فضرر كفره مقصور عليه في نفسه ...

الحالة الثالثة: أن نظفر بواحد من دعاتهم ممن يعرف منه أنه يعتقد بطلان مذهبه ، ولكنه ينتحله غير معتقد له ليتوصل إلى استمالة الخلق وصرف وجوههم إلى نفسه ، طلبا للرياسة وطمعا في حطام الدنيا - هذا هو الذي يتقى شره . والأمر فيه منوط برأي الإِمام ليلاحظ قرائن أحواله ويتفرس من ظاهره في باطنه ، ويستبين أن ما ذكره يكون إذعانا للحق واعترافا به بعد التحقق والكشف ، أو هو نفاق وتقية ، وفي قرائن الأحوال ما يدل عليه . والأولى ألا يوجب على الإِمام قتله لا محالة ولا أن يحرم قتله ، بل يفوض إلى اجتهاده ) (1) .

(1) 96) محمد رشيد رضا: فتاوي الإمام محمد رشيد رضا ، ج 1 ، ص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت