فهرس الكتاب
وأضرب عن جميع الملاذ الحسية والنفسية ، واقتصر في طعامه على أبسط ما تقتضيه الحياة من القوت المتواضع . وفي سنة 405 هـ ازداد الحاكم شغفًا بالطواف في الليل ، فكان يركب مرارًا في اليوم ، بالنهار والليل ، وكان يقصد غالبًا إلى المقطم (1) حيث أنشأ له منزلًا منفردًا يخلو فيه إلى نفسه ويهيم في عوالمه وتصوراته ، ومرصدًا خاصًا يرصد منه النجوم ويستطلعها .
وكان يؤثر ركوب الحمير ، ولاسيما الشهباء منها ، ويخرج دون موكب ولا زينة ومعه نفر قليل من الركابية ، وكان يبدأ كعادته بالتجوال في شوارع القاهرة ، ويحادث الكافة ، ويستمع إلى ظلامات المتظلمين .
وقد انتهت إلينا أحاديث ونوادر كثيرة عن المناظر التي كانت تقترن بهذا الطواف ، وعما كان ينزع إليه الحاكم أحيانًا من الأهواء العنيفة خلال طوافه ، ومن ذلك أنه كان يأمر بإحراق الشونة ليتمتع بمرأى النيران ، وأنه لقى ذات مساء عشرة من الناس سألوه الإِحسان فأمر أن ينقسموا إلى فريقين يتقاتلان ، حتى يغلب أحدهما فينعم عليه ، فتقاتلا حتى فنى منهم تسعة وبقي واحد ، فألقى عليه الدنانير ، فلما انحنى ليأخذها عاجله الركابية بقتله .
وأنه مر ذات ليلة على دكان شواء ، فانتزع منه سكينًا وقتله بها أحد الركابية المقربين لديه بغير ما سبب معروف ، وقد تركت الجثة في موضعها ، وفي اليوم التالي أنفذ الحاكم إليه كفنًا جليلًا ، ودفن مع التكريم ) (2) .
(1) 143) بضم أوله ، وفتح ثانية ، وهو الجبل المشرف على القرافة ( مقبرة الفسطاط والقاهرة ) وهو جبل يمتد من أسوان وبلاد الحبشة على شاطيء النيل الشرقي ، حتى يكون منقطعه طرف القاهرة ، ويسمى في كل موضع باسم وعليه مساجد وصوامع للنصارى ، لكنه لا نبت فيه ولا ماء . انظر ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 5 ص 176 .
(2) 144) محمد عبدالله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية 62 ، 63 ، 87 ، 111 .