هو من الأشهر الحرم، تقرر تحريمه في الجاهلية عند مضر كلها، دون بقية العرب من العدنانيين والقحطانيين. فالظن أن تحريمه لم يكن من عهد إبراهيم - عليه السلام -؛ لأنه لم تُجمع العربُ على تحريمه. والظاهر أن مضر جعلوه شهرًا حرامًا ليكونوا آمنين فيه، قصدًا لزيادة الأمن في العام. ولذلك جعلوه شهرَ العمرة، ليُكسِبوه مهابةً عند غير المُضريين من العرب، والعرب كلهم يعظِّمون القاصدين زيارةَ البيت، قال النابغة يصف حجَّه:
مُشَمِّرِينَ عَلَى خُوصٍ مُزَمَّمَةٍ ... نَرْجُو الإلَهَ وَنَرْجُو البِرَّ وَالطُّعَمَا (2)
ومن تعظيم الحجيج أن أقسمت العربُ بالله بعنوان كونه تعالَى ربَّ الحجيج، قال العجاج:
وَرَبِّ أَسرَابِ حَجِيجٍ كَظَّمِ ... عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ (3)
فحصل من ذلك تعظيمُ هذا الشهر عند العرب، وقد أشار إلى ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجة الوداع في ذكر الأشهر الحرم إذ قال:"ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". (4) وقد لقبه العرب بالأصم، أرادوا أنه لا يسمع الناسُ فيه قعقعةَ
(1) المجلة الزيتونة، المجلد 2، الجزء 1، شعبان 1356/ أكتوبر 1937 (ص 45 - 46) .
(2) ديوان النابغة الذبياني، ص 106 (نشرة عبد السلام هارون) ، وص 217 (نشرة ابن عاشور) .
(3) ديوان العجاج، برواية الأصمعي وشرحه، تحقيق عزت حسن (بيروت: مكتبة دار الشرق، بدون تاريخ) ، ص 59. التيمي، أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى: مجاز القرآن، تحقيق محمد فؤاد سزكين (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1988) ، ج 1، ص 70. (وقد استشهد بعجز البيت) .
(4) سبق تخريجه في مقال"لا صفر".