إلا أن هذا الخلافَ ليس منظورًا فيه إلى التعليل بمخالفة الفرائض، بل إلى قاعدة تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية. وهي مسألةٌ ذاتُ خلاف من أصلها، خلافًا مستندًا لما رواه النعمان بن بشير أن أباه بشير بن سعيد الخزرجي جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"يا رسول الله إني نحلت ابني النعمان شيئًا وإن أمه قالت لي: أشهِدْ على ذلك رسولَ الله. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"أكُلَّ ولدك نحلته مثله؟"قال: لا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ارتجعه" (1) وفي رواية:"لا تُشهِدْني على جور"، (2) ولأن إخراجَ البنت يشبه فعلَ الجاهلية من عدم توريث البنات، كما قال مالك رحمه الله. (3) "
= {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا} [الأنعام: 139] ". ابن عبد الرفيع، أبو إسحاق إبراهيم بن حسن: معين الحكام على القضايا والأحكام، تحقيق محمد بن قاسم بن عياد (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1989 م) ، ج 2، ص 731."
(1) الموطأ برواياته الثمانية،"كتاب الأقضية"، الحديث 1567، ج 3، ص 584 - 585.
(2) صحيح البخاري،"كتاب الهبة"، الحديث 2586، ص 418؛ صحيح مسلم،"كتاب الهبات"، الأحاديث 1623 (9 - 18) / 1624، ص 631 - 633.
(3) قال مالك:"مَنْ حبس حبسًا على ذكور ولده وأخرج الإناث منه إذا تزوجن، فإني لا أرى ذلك جائزًا، وإنه من أمر الجاهلية، وليس على هذا توضع الصدقات لله وما يُراد به وجهه". ابن رشد: البيان والتحصيل،"كتاب الحبس الأول"، ج 12، ص 204. وانظر كذلك القيرواني: النوادر والزيادات،"الجزء الأول من كتاب الحبس والسنة"، ج 12، ص 7 - 8. هذا وقد روى سحنون عن ابن وهب بسنده أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم"أن يفحص له عن الصدقات، وكيف كانت أول ما كانت"، فكتب له أبو بكر بن حزم يذكر له صدقات عبد الله بن الزبير وأبي طلحة وأبي الدحداح، كما كتب له أن عمرة بنت عبد الرحمن ذكرت له"عن عائشة أنها كانت إذا ذكرت صدقات الناس اليوم وإخراج الرجال بناتهم منها تقول: ما وجدتُ للناس مثلًا اليوم في صدقاتهم إلا كما قال الله عز وجل: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 139] . قالت: والله إنه ليتصدق الرجل بالصدقة العظيمة على ابنته فترى غضارة صدقته عليها، وترى ابنته الأخرى وإنه ليعرف عليها الخصاصة لَمَّا أبوها أخرجها من صدقته. وإن عمر بن عبد العزيز مات حين مات وإنه ليريد أن يرُدَّ صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء. وإن مالكًا ذكر أن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت حبسا على أولادهما دورًا، وأنهما سكنا بعضها. فهذا يدل على قول عائشة أن الصدقات فيما مضى ="