الصفحة 94 من 212

أنهما إذا أَمَرا بالشِّرْك فلا تُطِعْهما، وأنَّ الواجِبَ عليك اتِّباع سبيل مَن أَناب إلى اللَّه تعالى، فقال تعالى: {ثُمَّ} أي: بعد هذه المُحاولاتِ مِنهما بأن تُشْرِك باللَّه تعالى، وبعد أن تُطِيع فالمَرجِع إلى اللَّه تعالى.

وقولُه تعالى: {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} جُملة اسمِيَّة خَبَرية قُدِّم فيها الخبر لِإفادة الحَصْر، {إِلَيَّ} لا إِلى غَيْرِي، {مَرْجِعُكُمْ} يَعنِي: مَرَدُّكم، كما قال اللَّه تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [فاطر: 4] .

وقوله تعالى: {فَأُنَبِّئُكُمْ} بمَعنَى: أُخبِرُكم، {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، والإنبَاءُ هذا يَستَلْزِم المُجَازَاة، وقد لا يَكون هناك مجُازَاة؛ ولهذا دائِمًا يُعَبِّر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بالإنبَاء -أي: الإخبار- لأنَّه قد يُجازِي وقد لا يجازِي، فإنَّه يَخلو بعَبْدِه المُؤمِن ويُخبِرُه بذنوبِه ويُقرِّرُه بها، ثم بَعْد ذلك يَقول:"سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" (1) .

وقولُه تعالى: {فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: بالذي كُنْتم تَعمَلون، وهو شامِل لكل ما يَعمَله الإنسان مِن صَغِير وكبِير دون ما لم يَعمَله، فلو هَمَّ بالشيء فلم يَعمَلْه فإنه لا يُجازَى عليه، لكن قد يُثَاب عليه إذا كان مَعصيةً ترَكَها مِن أَجْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فإنه يُثَاب على هذا التَّرْكِ.

قال المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ: [فأُجازِيكم عليه، وجُملة الوَصِيَّة وما بعدَها اعْتِراض] فقول المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ: [فأُجازيكم عليه] كأنَّه جعَل مِن لازِم الإنباء المُجَازاة، ولكن كما قُلْت: ليس لازِمًا؛ ولهذا عبَّر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بالإِنباءِ؛ ليَكونَ الأمرُ جائِزًا أو دائِرًا بين

(1) أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب قول اللَّه تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ، رقم (2441) ، ومسلم: كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن أكثر قتله، رقم (2768) ، من حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت