يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه"."
وقوله عليه السلام عن الشمس والقمر والكوكب: {هَذَا رَبِّي} إنما هو نوع من التدرج في إبطال ربوبيتها بدليل قوله تعالى في السياق: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} (الأنعام: 82) .
وقد ذكر الرازي وجوهًا في توجيه قول إبراهيم عليه السلام منها"أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب، إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبُعد طباعهم عن قبول الدلائل؛ أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة، وذلك بأن ذكر كلامًا يوهم كونه مساعدًا لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب، مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئنًا بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله، وتمام التقرير أنه لما لم يجد إلى الدعوة طريقًا سوى هذا الطريق، وكان عليه السلام مأمورًا بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر" [1] .
وقال ابن تيمية:"قاله على سبيل التقرير، لتقريع قومه أو على سبيل الاستدلال والترقي" [2] ، وقال ابن القيم:"قيل: إنها على وجه إقامة الحجة على قومه، فتصور بصورة الموافق ليكون أدعى إلى القبول، ثم توسل بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصًا آفلًا" [3] ، فكل أحد يعلم أن الشمس ستغيب آخر النهار وكذلك الكوكب، وقوله: فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ
(1) التفسير الكبير، الرازي (13/ 40 - 41) .
(2) دقائق التفسير، ابن تيمية (2/ 112) .
(3) مدارج السالكين، ابن القيم (3/ 61) .