فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 306

تاسعًا: هل يؤمن اليهود برسالة المسيح عليه السلام؟

قالوا: أخطأ القرآن حين نسب إلى اليهود القول بأن المسيح رسول الله، وهم يكفرون به، وذلك في قوله تعالى: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} (النساء: 156 - 157) .

الجواب: من المتيقن عندنا أن اليهود كفروا بالمسيح عليه السلام، واتهموه وأمه بأشنع القبائح، وهو ما حكته الآية الكريمة عنهم حين وصفتهم بالكفر {وبكفرهم} ، والمقصود كفرهم بالمسيح كما هو واضح من سياق التالية لها: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (النساء: 159) .

وأما وصفهم للمسيح بأنه رسول الله فجاء منهم على سبيل التهكم والسخرية منه، أو على معنى مقدر (قتلنا المسيح الذي يزعم أنه رسول الله) ، وهو أسلوب في الإضمار معلوم عند أرباب البلاغة، ورد مرارًا في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنونٌ (6) لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} (الحجر: 6 - 7) ، فكفار قريش يصفون النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنون، ولا يؤمنون بأن القرآن (ذِكر) ، ولا يصدقون بنزوله على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقولهم: {نزل عليه الذكر} خرج مخرج السخرية منه، أو بمعنى: (يا أيها الذي يزعم أنه نزل عليه الذكر) .

ومثله ما حكاه الله عز وجل عن وصف اليهود للقرآن في قوله تعالى: {وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (آل عمران: 72) ، فوصفهم للفرآن بأنه {أًنزل} ، وللصحابة بأنهم {الذين آمنوا} خرج مخرج السخرية من القرآن والمؤمنين، أو على سبيل حكاية قولهم، بمعنى: (آمِنوا بالقرآن الذي يزعمون هؤلاء الإيمان به، وأنه منزل من عند الله) .

ومثله أيضًا ما حكاه الله تعالى من قول كفار قوم شعيب عليه السلام {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} (هود: 87) ، أي (أنت الذي تزعم أنك الحليم الرشيد) .

ومثله كذلك خرج مخرج السخرية والاستصغار للمشرك حين يدخل النار قولُ الله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون} (الدخان: 49 - 50) ، أي (كنت تزعم أنك العزيز الكريم) .

فمن عرف ما عرف العرب لم ينكر ما سكتوا عنه، فإن القرآن نزل بلسانهم، ووفق طرائقهم في البيان والتعبير، ومنها التهكم والحكاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت