قالوا: النبي - صلى الله عليه وسلم - مصاب بالصرع، وهذا الذي يأتيه فيزعم أنه من الوحي إنما هو بعض آثار هذا المرض، واحتجوا لذلك بما كان يرافق النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحوال غير معتادة، وقعت له - صلى الله عليه وسلم - بسبب ثقل الوحي عليه.
والجواب: لكم يعجب المرء لهذه الأُبطولة، فلئن أنكر القوم نبوته - صلى الله عليه وسلم - أفتراهم ينكرون أنه غيَّر واقع العرب من قبائل متناحرة؛ لاحظ لها بالعلم والمعرفة والمدنية فأقام منهم أمة قادت الحضارة الإنسانية ثمانية قرون!؟ أم تراهم ينكرون ما قدمه - صلى الله عليه وسلم - من إصلاح اجتماعي وأخلاقي جعل المسلمين أفضل الأمم أخلاقًا وأحسنهم أوضاعًا من الناحية الاجتماعية!؟ أفيصنع هذا مريض بالصرع يحتاج من يعينه على تدبر أمره وإصلاح حاجاته الشخصية!؟ {فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} (النساء: 78) .
لقد صدق المستشرق نورمان في شهادته التي تنبئ عن عقل ودراية بأحوال الأمم وتطور الشعوب، حيث يقول:"لو كان محمد يعاني منذ طفولته من مرض عضال حقًا، لما تخلى عن تلك الذريعة أبدًا، بل من غير المعقول أن ينجز رجل مريض ما أنجز محمد، فقد كان تاجرًا موهوبًا هادئ الطبع، وقراراته عادة ما تصدر عن غريزة سياسية ذكية متبصرة .. وكان قائدًا بعيد النظر للدولة ولمجتمع ديني نامٍ على حد سواء، وهذه كلها تظهر بما لا يدع مجالًا للشك أنه كان سليمًا معافى .. والذين يقولون بهذا الكلام لم يحلُّوا المشكلة بقدر ما زادوها تعقيدًا، ويجب أن يساورنا الشك مستقبلًا في إمكانية أي ظاهرة خلل في سلوك محمد" [1] .
ويقول المستشرق الألماني الطبيب ماكس مايرهوف:"أراد بعضهم أن يرى"
(1) انظر: المستشرقون والقرآن، عمر لطفي العالم، ص (50) ، نقلًا عن رسالة دكتوراه"القرآن الكريم في مواقع الإنترنت العربية دراسة تحليلية نقدية"، عبد الرحيم الشريف [كتاب إلكتروني] .