فقال لهم قولًا بحيرا وأيقنوا ... له بعد تكذيب وطول بعاد
فإني أخاف الحاسدين وإنه ... لفي الكتب مكتوب بكل مداد [1]
وأما ورقة بن نوفل الأسدي فلم تذكر كتب السيرة والسنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه إلا يوم نزل عليه الوحي في غار حراء، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، وتوفي بعدها، أي لم يدرك من القرآن إلا تنزل خمس آيات فقط، وقد قالت عائشة رضي الله عنها وهي تحكي قصة لقيا النبي - صلى الله عليه وسلم - له بعد نزوله من غار حراء: (ثم لم ينشب [يلبث] ورقة أن توفي) [2] .
ولو تأمل المنصف بقية القصة لرأى فيها دلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم -، فقد شهد له بالنبوة هذا العالم من علماء أهل الكتاب، فقال: (هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك .. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا) .
لقد عرف ورقة نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - مما سمعه منه عن ظهور جبريل له في غار حراء، حين قال له: اقرأ. فأجاب النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بقارئ» [3] ، فهو مصداق ما يجده في صحف أهل الكتاب في سفر النبي إشعيا:"أو يُدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة، ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف القراءة" (إشعيا 29/ 12) .
فورقة العالم بالكتب السابقة يشهد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة، ويتحسر على أيام فتوته، ويود لو قدر على نصرة هذا الحق الفتِي، ولو كان هذا القرآن من تعليمه لكان له موقف آخر، وصدق الله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (الرعد: 43) .
(1) انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر (66/ 311) .
(2) أخرجه البخاري ح (4) ، ومسلم ح (160) .
(3) انظر الحديث السابق.