هِيَ الْعُلْيَا ، فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَاعِدَةٌ كُبْرَى مِنْ قَوَاعِدِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَرَكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ سِيَاسَتِهِ فَهُوَ لَا يُجِيزُ إِكْرَاهَ أَحَدٍ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ ، وَلَا يَسْمَحُ لِأَحَدٍ أَنَّ يُكْرِهَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا نَكُونُ مُتَمَكِّنِينَ مِنْ إِقَامَةِ هَذَا الرُّكْنِ وَحِفْظِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِذَا كُنَّا أَصْحَابَ قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ نَحْمِي بِهَا دِينَنَا وَأَنْفُسَنَا مِمَّنْ يُحَاوِلُ فِتْنَتَنَا فِي دِينِنَا اعْتِدَاءً عَلَيْنَا بِمَا هُوَ آمِنٌ أَنْ نَعْتَدِيَ بِمِثْلِهِ عَلَيْهِ إِذْ أَمَرَنَا أَنْ نَدْعُوَ إِلَى سَبِيلِ رَبِّنَا بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَأَنْ نُجَادِلَ الْمُخَالِفِينَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُعْتَمِدِينَ عَلَى تَبَيُّنِ الرُّشْدِ مِنَ الْغَيِّ بِالْبُرْهَانِ: هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ إِلَى الْإِيمَانِ ، مَعَ حُرِّيَّةِ الدَّعْوَةِ ، وَأَمْنِ الْفِتْنَةِ ، فَالْجِهَادُ مِنَ الدِّينِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ; أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جَوْهَرِهِ وَمَقَاصِدِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ سِيَاجٌ لَهُ وَجُنَّةٌ ، فَهُوَ أَمْرٌ سِيَاسِيٌّ لَازِمٌ لَهُ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَا الْتِفَاتَ لِمَا يَهْذِي بِهِ الْعَوَامُّ ، وَمُعَلِّمُوهُمُ الطُّغَامُ ، إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الدِّينَ قَامَ بِالسَّيْفِ وَأَنَّ الْجِهَادَ مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ ، فَالْقُرْآنُ فِي جُمْلَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ." [1] "
وقال الشعراوي:"إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا نحن العباد المؤمنين ولسائر البشرية أنه: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } . والإكراه هو أن تحمل الغير على فعل لا يرى هو خيرًا في أن يفعله. أي لا يرى الشخص المكرَه فيه خيرًا حتى يفعله."
ولكن هناك أشياء قد نفعلها مع من حولنا لصالحهم، كأن نرغم الأبناء على المذاكرة، وهذا أمر لصالح الأبناء، وكأن نجبر الأطفال المرضى على تناول الدواء. ومثل هذه الأمور ليست إكراهًا، إنما هي أمور نقوم بها لصالح من حولنا؛ لأن أحدًا لا يسره أن يظل مريضًا.
إن الإكراه هو أن تحمل الغير على فعل من الأفعال لا يرى فيه هو الخير بمنطق العقل السليم. ولذلك يقول الحق سبحانه: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } . ومعنى هذه الآية أن الله لم يكره خلقه ـ وهو خالقهم ـ على دين، وكان من الممكن أن الله يقهر الإنسان المختار، كما قهر السماوات والأرض والحيوان والنبات والجماد، ولا أحد يستطيع أن يعصى أمره. فيقول سبحانه: { لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } [الرعد: 31]
(1) - تفسير المنار - (3 / 31)