لكن الحق يريد أن يعلم من يأتيه محبًا مختارًا وليس مقهورًا، أن المجيء قهرًا يثبت له القدرة، ولا يثبت له المحبوبية، لكن من يذهب له طواعية وهو قادر ألا يذهب فهذا دليل على الحب، فيقول تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } أي أنا لم أضع مبدأ الإكراه، وأنا لو شئت لآمن من في الأرض كلهم جميعًا. فهل الرسل الذين أرسلهم سبحانه يتطوعون بإكراه الناس؟. لا، إنّ الرسول جاء لينقل عن الله لا ليكره الناس، وهو سبحانه قد جعل خلقه مختارين، وإلا لو أكرههم لما أرسل الرسل، ولذلك يقول المولى عز وجل: { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [يونس: 99]
إن الرسول له مهمة البلاغ عن الله؛ لأن الله لم يرد خلقه مكرهين على التدين، إذن فالمبلغ عنه لا يُكره خلقه على التدين، إلا أن هنا لبسًا. فهناك فرق بين القهر على الدين، والقهر على مطلوب الدين، هذا هو ما يحدث فيه الخلاف.
تقول لمسلم: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } ، ويدعي أنه مثقف، ويأتيك بهذه الآية ليلجمك بها، فتقول له: لا. { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } عقيدة وإيمانًا، إنما إن آمنت وأعلنت أنك آمنت بالله وصرت معنا مسلمًا فلا بد أن تعرف أنك إن كسرت حكمًا من أحكام الإسلام نطلب منك أن تؤديه، أنت حر أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن حين التزمت بالإيمان، فعليك مسئولية تنفيذ مطلوب الإيمان، وإلا حسب تصرفك أنه من تصرفات الإسلام، فإذا كنت تشرب خمرًا فإنك حر؛ لأنك كافر مثلًا، لكن أتؤمن ثم تشرب خمرًا!؟ لا. ... ... ...
أنت بذلك تكسر حدًا من حدود الله، وعليك العقاب.ولأنك مادمت قد علمت كعاقل رشيد مطلوب الإسلام، فعليك أن تنفذ مطلوب الإسلام، ولذلك لم يكلف الله الإنسان قبل أن ينضج عقله بالبلوغ؛ حتى لا يقال: إن الله قد أخذ أحدًا بالإيمان وألزمه به قبل أن يكتمل عقله. بل ترك التكليف حتى ينضج الإنسان ويكتمل، حتى إذا دخل إلى دائرة التكليف عرف مطلوباته، وهو حر أن يدخل إلى الإيمان أو لا يدخل، لكن إن دخل سيُحاسب.