فكلُّ آيةٍ أو نصٍّ فيه أمرٌ صريح بالكفِّ عن الكفَّار كقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ} (14) سورة الجاثية، منسوخٌ بآية السيف وهي قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (5) سورة التوبة، وما في معناها من النصوص الآمرة بقتال الكفَّار حتَّى يُسلموا.
والنسخُ ثابتٌ بالإجماع كما حكاه ابن جريرٍ رحمه الله تعالى، وبالإجماع العملي المتواتر المعلوم من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضوان الله عليهم بالضرورة لمن اطَّلع على السنَّة وسيَرِهم، وهو دلالة النصوص متى جُمعت ونظر في جملتها لا يشكُّ في ذلك النَّاظر، ولا تجتمع النصوص إلا عليه.
الأصل الثالث: أنَّ مشرّع الشريعة هو مقدِّر القَدَر سبحانه وتعالى.
فلا يُحتجُّ بالقدر على الشرعِ، والرحمةُ التي بعث الله بها نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - تشمل القتال وقتل الكافرين، كما تشملُ الدعوة إلى الإسلام والتلطُّف فيه، وليس هذا بمعارضٍ لهذا، والله عزَّ وجلَّ قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (107) سورة الأنبياء ،ونبيُّه - صلى الله عليه وسلم - قال لأمَّته: « بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَنِي ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ ؛ فَهُوَ مِنْهُمْ » [1]
والرحمةُ حقٌّ والسيف حقٌّ، فلا يصحُّ الاعتراض على هذا الحكم الشرعيِّ بما يعترض به بعض من يتسمّون بالدعاة اليوم على القتال لإدخال الناس في الإسلام، بحجّة أنَّ من المشركين من يُقتل على الكفر فيكون القتل تعجيلًا به إلى نار جهنَّم.
فيُقال أولًا: إنَّ الذي أمر بقتلهم هو الذي خلقهم وعلم مآلهم وحالهم، وهو الَّذي شرع الدين وأمر بالدعوة إليه، وما يُقتل من يُقتل منهم إلاَّ بعلمه وإذنه، فيتعيّنُ التسليم له سبحانه، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أُتِيَ بِصَبِيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ يُصَلِّي
(1) - المجالسة وجواهر العلم - (1 / 460) (147 ) صحيح لغيره