أو مظنّة لوجودها أو عدمها أو متلازمًا معها أو مع ضدّها أو طريقًا إليها أو إلى الإعراض عنها". انتهى [1] ."
فأنت ترى هنا أنّه ذكر أصولًا للمصالح والمفاسد وضعها الشّارع لا بدّ من الرّجوع إليها والتّعويل عليها وليس الأمر -كما قد يُظنّ- موكولًا إلى اصطلاحات القوم ممّا قد يظنّوه مصلحة وهو مفسدة في نفس الامر، فتفريقه بين المصالح والمفاسد وعلم الشّرائع والحدود إنّما هو من جهة مقاديرها وحدودها المضبوطة المعلومة لا من جهة أنّ الأولى طريقها العقل والثّانية طريقها الشّرع، كيف ومصالح الآخرة لا طريق لها إلّا الشّرع ولا تعرف إلّا بنصّ الكتاب أو الثّابت من السّنّة والحمد لله رب العالمين.
وأمّا ما ذكره العزّ بن عبد السّلام رحمه الله تعالى فما قاله في حقّ مصالح الآخرة وأنّها لا طريق لها إلّا الشّرع فصحيح متّفق عليه، وأمّا ما ذكره من أنّ مصالح الدّنيا تدرك بالعقل فهو أشبه بمذهب المعتزلة القائلين بأنّ المصالح والمفاسد يدركها العقل قبل الشّرع، وإنّما ورد الشّرع مؤيّدًا ومثبتًا لما ثبت بالعقل، وجعلوا ذلك طريقًا تعرف به حسن الأعمال وقبحها، وقد تصدّى للرّدّ على كلام العزّ هذا العلّامة الشّاطبي رحمه الله تعالى في (الموافقات) فقال:"وبعض النّاس قال: إنّ مصالح الدّار الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلّا بالشّرع، وأمّا الدّنيويّة فتعرف بالضّرورات والتّجارب والعادات والظّنون المعتبرات، قال: ومن أراد أن يعرف المتناسبات في المصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أنّ الشّارع لم يرد به، ثمّ يبني عليه الأحكام فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك، إلّا التّعبّدات التي لم يوقف على مصالحها أو مفاسدها، هذا قوله، وفيه بحسب ما تقّدم نظر، أمّا أنّ ما يتعلّق بالآخرة لا يعرف إلّا بالشّرع فكما قال، وأمّا ما قال في الدّنيويّة فليس كما قال من كلّ وجه بل ذلك من بعض الوجوه دون بعض، ولذلك لمّا جاء الشّرع بعد زمان فترة، تبيّن ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام، ولو كان الأمر على ما قاله بإطلاق، لم يحتج في الشّرع إلّا إلى بثّ مصالح الدّار الآخرة خاصّة، وذلك لم يكن، وإنّما جاء بما يقيم أمر الدّنيا وأمر الآخرة معًا، وإن كان قصده بإقامة الدّنيا للآخرة، فليس بخارج عن كونه قاصدًا لإقامة مصالح الدّنيا، حتّى يتأتى فيها سلوك طريق الآخرة، وقد بثّ"
(1) الحُجّة البالغة 1/ 374.