الصفحة 53 من 90

ويتوب به على العاصين، لا بد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة، وإلا فإنه لو كان ما بعث به الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا يكفي في ذلك، لكان دين الرسول ناقصًا، محتاجًا تتمة، وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب. والأعمال الفاسدة نهى الله عنها. والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة، فإن الشارع حكيم، فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرّعه، وإن غلبت مفسدته على مصلحه لم يشرّعه، بل نهى عنه، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا .. } ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك -

وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربًا إلى الله، ولم يشرعه الله ورسوله فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه، وإلا فلو كان نفعه أعظم من ضرره لم يهمله الشارع، فإنه صلى الله عليه وسلم - حكيم، ولا يهمل مصالح الدين، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم من رب العالمين .. إلى آخر ما ذكر فراجعه فإنه مهم.

ومنها ما أشرت له سابقًا من استعظام ما يترتب على القيام بهذا الأصل العظيم من المشاق والتكاليف، لكن من أمعن النظر علم أن تكاليف الإعراض عن القيام به، والانشغال بغيره من المصالح الموهومة، أعظم بكثير من تكاليف القيام به، مع ما يترتب على القيام به من جزيل الأجر وعظيم الثواب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وهي كثيرة لا تتناهى، ذلك أن غالب الخلق كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان، إنما يريدون قضاء حاجاتهم منك وإن أضرّ ذلك بدينك ودنياك فإنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرّتك [1] .

قلت: وهذا الذي ذكره من حرص الناس على قضاء مصالحهم وإن أدَّى إلى فوات مصالح الآخرين، واقع مثله منهم وإن أدَّى إلى فوات مصالح الدين والشريعة، وترى كثيرًا منهم يسارع في تحقيق ما يزعم أنه من

(1) إغاثة اللهفان 1/ 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت