فإنّ الله سبحانه قد خلق الخلق ليوحّدوه ويعبدوه، وبيّن لهم أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا منه وأمرهم أن يمشوا في مناكبها ويأكلوا من رزقه وبيّن لهم سبحانه أنّه جعل الطّريق طريقين فقال: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] ، وقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] ، ولأجل هذه الغاية أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يأمرونهم بطاعة الله وتوحيده، وينهونهم عن معصيته والكفر به، وجعل اتّباعهم دليل صدقهم وعنوان نجاتهم فقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31] ، كما جعل مخالفتهم والإعراض عن دعوتهم دليل خسارتهم في الدّنيا والآخرة كما قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] ، ثمّ إنّهم وآخرهم نبيّنا صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ما تركوا ولا ترك شيئًا يعلمه من خير إلّا ودلّ الأمّة عليه وما ترك شيئًا يعلمه من شرّ إلّا وحذّر الأمة منه؛ رأفة بهم وشفقة عليهم كما قال عنه سبحانه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] ، فما أمر به نبيّنا صلوات الله عليه وسلامه فإنّه عين المصلحة وأساسها وعمادها، وما نهى عنه فإنّه المفسدة المحضة الواجب اجتنابها، إلّا أنّ النّاس في ذلك على مراتب: فأعلاهم مرتبة وأرفعهم مقامًا وأحبّهم إلى خالقه وأقربهم يوم القيامة من النبيّ صلى الله عليه وسلّم منزلًا من كَمُلَ إيمانه وعظم بالله يقينه وامتلأت نفسه بمحبّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم فبادر إلى امتثال ما أمر به صلوات الله وسلامه عليه واجتناب ما نهى عنه دون أن يعلّق ذلك على ظهور وجه المصلحة في امتثال المأمور به ووجه المفسدة في اجتناب المنهيّ عنه إذ أنّ عين المأمور به مصلحة كما أنّ عين المنهيّ عنه مفسدة وكلاهما مطلوب للشّارع الكريم، وهذا مقام صحابة نبيّنا صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم أجمعين، وليس هذا من باب إبطال البحث في علل تلك الأحكام أو النّظر في حكمة الأمر والنّهي في شيء، بل إنّ معرفة ذلك ممّا يزيد المرء يقينًا وإيمانًا بأنّها من صنع الحكيم الخبير، لكن شتّان بين من حرّم الخمر مثلًا لنهي الشّارع عنها سواء ظهرت له المصلحة في تحريمها أم لا، وبين من حرّمها باحثًا عن حكمة تحريم الشّارع لها فبان له أنّها تذهب العقل وتفسده وقد يكون ذلك بعض أوجه الحكمة في تحريم الشّارع لا كلّها، وكذلك من حرّم الزّنا واجتنبه لمجرّد نهي الشّارع عنه طاعة وامتثالًا وبين