واعلم أنه ما من زمان مضى أو يأتي على هذه الأمة إلا وأعداء هذا الدين يتربّصون به الدوائر سواء ممن ليس من أهل هذا الدين أصلًا كاليهود والنصارى وأهل الإلحاد وغيرهم أو ممن هم من أهل الأهواء والضلالات فما يكاد أهل الإسلام ينتهون من محنة حتى تقع محنة أخرى عرض الحصير عودًا عودًا، فما أن قبض رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حتى امتحن أهل الإسلام بردّة من ارتدّ من قبائل العرب الذين قاتلهم الصديق رضي الله عنه، ثم كانت محنة أهل الإسلام بخروج الطوائف الضّالة كالخوارج الذين قاتلهم علي رضي الله عنه، ثم توالى خروج الفرق القائلة في الدين والتوحيد ما ليس منه، مع انتشار التقليد المذموم الذي أدّى إلى ظهور البدعة واندراس السنة، وفشى بين أهل الإسلام تعظيم القبور وعبادة الأولياء صلاة وطوافًا واستغاثة وذبحًا ونذرًا، حتى امتحن أهل الإسلام بالوقوع فيما وقع فيه اليهود والنصارى من تحريف الكتاب وتبديل الشرع والحكم بغير ما أنزل الله تعالى كما كان في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والذي امتحن بسبب ذلك وغيره، وهو الذي بمثله بل بأعظم منه امتحن أهل الإسلام في هذه الأزمان المتأخرة حيث وقع هجر عام لأحكام الدين والشريعة وابتلى العباد بأرباب طواغيت شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وأتوا على كتاب الله جملة وتفصيلًا، ووالوا أعداء الله وحاربوا أولياءه، وهو الحال الذي لا زالت الأمة تحياه وتتجرّع من غصصه ومرارة آلامه عجل الله خلاصنا ممّا نحن فيه، فقل لي بربك ماذا كان سيحل بالإسلام وأهله لو لم يقيض الله تبارك وتعالى لدينه أولئك الأئمة العظام يدعون إلى ما دعت إليه الأنبياء والرسل من توحيد الله تعالى ويذبّون عنه أقاويل أهل الكفر والشرك والبدع والأهواء .. ؟! والله تبارك وتعالى وحده يعلم كم هي القوارع التي كانت ستحل بديار المسلمين لو انشغل أولئك الأئمة عن تحصيل مصلحة التوحيد بما هو فرع عليه ولا اعتبار له بدونه .. ! وعن دفع مفسدة الشرك والكفر بالله تعالى والتي هي أعظم المفاسد على الإطلاق بدفع ما هو دونه عن المفاسد أو هي متولّدة عنه ومنشأها منه .. !
واعلم أن قولنا بأن تحصيل المصالح فرع على تحصيل المصلحة العظمى مصلحة التوحيد وأن دفع الفاسد فرع على دفع مفسدة الشرك بالله تعالى ليس معناه افتراض وقوع التعارض بين مصلحة التوحيد وغيرها من المصالح أو بين دفع مفسدة الشرك بالله تعالى والكفر به ودفع غيره من المفاسد، فإن الشريعة قد جاءت