الصفحة 40 من 90

بتحصيل جميع المصالح أصولًا وفروعًا، كما جاءت بدرء المفاسد جميعها ما أمكن ذلك، إلا أنه لما كان تحصيل التوحيد ودفع الشرك هما أصل الدين وعماده، وعليهما مداره، وهما أصل سعادة العبد في الدنيا والآخرة ومن أتى بهما فقد أفلح ونجا ومن ضيعهما فقد ضلّ وغوى، وجب تقديم العناية بهما والدعوة إليهما على ما سواهما، إذ أن تحقيق العبد لهذين الأصلين أعني اجتناب الكفر والشرك وعبادة الله وحده لا شريك له يحصل به ولا بد ما يرتجيه العبد من مصالح الدنيا والآخرة أجمعها، وأنا أناشدك الله تعالى أن تتأمل قول الله عز وجل في كتابه الكريم: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 66 - 68] وهذه الآية بعد قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] إلى قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .

فهذا الخير العظيم الموعود به من حصول مصالح الدنيا والآخرة حاصل بتوحيد الله وطاعته والانتهاء إلى أمره والوقوف عند حدوده، قال العلامة ابن جرير [1] رحمه الله تعالى:"يعني جل ثناؤه بذلك ولو أنّ هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك صدودًا، فعلوا ما يوعظون به، يعني ما يذكرون به من طاعة الله، والانتهاء إلى أمره، لكان خيرًا لهم في عاجل دنياهم وآجل معادهم، وأشد تثبيتًا، وأثبت لهم في أمورهم، وأقْوَمَ لهم عليها"، وبنحو ما قال هنا قال القرطبي في تفسيره، وكذا ابن عطية الأندلسي رحمه الله [2] .

وقال أبو حيان [3] أما إذا كان المعنى على أن الباء للسببية [4] ، فيحمل إذ ذاك اللفظ على الظاهر [5] ، ويصح المعنى، ويكون التقدير، ولو أنهم فعلوا الشيء الذي يوعظون بسببه، أي بسبب تركه، ودلّ على حذف تركه

(1) تفسير الطبري 4/ 5/161.

(2) المحرر الوجيز 4/ 196.

(3) البحر المحيط 3/ 253.

(4) يعني في قوله يوعظون به أي بسببه.

(5) يعني لفظ يوعظون به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت