الصفحة 30 من 90

في ذلك من التصرّفات، وحسم من أوجه الفساد التي كانت جارية ما لا مزيد عليه. فالعادة تحيل استقلال العقول في الدّنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التّفصيل، اللهمّ إلّا أن يريد هذا القائل أنّ المعرفة بها تحصب بالتّجارب وغيرها، بعد وضع الشّرع أصولها. فذلك لا نزاع فيه". انتهى."

وفي مقابل هؤلاء فريق آخر عطّل باب المصالح والمفاسد في الشّريعة جملة وتفصيلًا وجعل القول في ذلك من البدع المحدثات في الدّين، والحقّ أنّ إنكاره ذلك هو البدعة المحدثة وهو القول الباطل بلا ريب، وما ذكرناه من الأدلّة في هذا الفصل برهان على بطلان ما ادّعوه وفساد ما قالوه، والحقّ إن شاء الله تعالى وسط بين الفريقين، والله يهدينا وإيّاهم سواء السّبيل.

فإن الله سبحانه بعث الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأنزل عليهم الكتب لمسألة واحدة ولغاية عظيمة وهي توحيد الله وحده سبحانه والكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، واعلم أنه ما من خير يرجوه العبد في الدنيا والآخرة وما من أصْل من أصول البرّ والطاعات إلَّا وعمدته توحيد الله تبارك وتعالى، وكُلُّ مصلحة يرتجيها العبد ويسعى في تحصيلها فإنها فرع عليه، ومردّها إليه، حتى أن الأنفس والأموال وهي من الكليات التي جاءت الشريعة بحفظها لتبذل لأجله، وما فريضة الجهاد التي كتبها الله تبارك وتعالى على عباده مع كونها كرهًا لهم -لما فيها من بذل النفوس والأموال وتلف كلٍّ- إلا لأجل إحقاق الحق بنشر كلمة التوحيد ولتكون هي العليا، وفي المقابل فإنه ما من مفسدة تقع في العباد من مفاسد الدنيا والآخرة فيتضررون بها في معايشهم وأرزاقهم وأمنهم إلا والشرك بالله تعالى أصل لها، ولذلك عظَّم الله تبارك وتعالى شأن التوحيد في كتابه، حتى أنك لا تجد سورة من كتاب الله تعالى إلا وهي داعية إلى التوحيد مقررة له، وكذا ما ذكره ربنا تبارك وتعالى عن أنبيائه ورسله مما قصّه عنهم في القرآن الكريم فكلّه مقرّر لذلك الأصل العظيم، وعليه كانت الخصومة بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت