الصفحة 47 من 90

وهو فصل كبير النّفع بالغ الأهمية، بل هو كالثمرة لما قدمناه، فإن إبليس -أعاذنا الله منه- قد أبى إلا أن يلبّس على الناس دينهم، وأن يصدّهم عن عبوديتهم لربهم سبحانه، أو يدفعهم إلى مخالفة ما كان عليه الأنبياء والرسل وسلف هذه الأمة من الدين القيم الذي ارتضاه تبارك وتعالى لعباده، والسبيل القويم الذي بيّنه لهم، إلى سبل معوجّة، ضالّة منحرفة يحسبها متبعوها دينًا وما هي بدين، ويظنونها من الرشد ويسمونها حكمة ودهاء وسياسة وذكاء وفطنة وفقهًا وعلمًا وما هي بذاك لا من قريب ولا من بعيد، ولو أنهم تركوا اتباع هيشات (الهيشة أي الفتنة) النفوس وإملاءات العقول وتلوا قوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 15] ، وقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] لعلموا أن السبيل لا خيار فيه إلا ما اختاره سبحانه وأنه إما الاستقامة على أمر الله سبحانه وإما اتباع الهوى، وإما السبيل الواحد البصير وإما السبل المعوجّة العمياء نسأل الله تعالى السلامة والعافية.

أقول وبالله تعالى التوفيق: الكلام في هذا المقام في مسائل ثلاث:

المسألة الأولى:

في ذكر الأسباب المؤدّية إلى الإعراض عن الأصل المذكور:

اعلم أن الله تبارك وتعالى قد أمرنا في كتابه الكريم بإبلاغ الحق وبيانه للناس كما أنزله سبحانه دون مواراة أو مداراة أو هوادة أو مداهنة أو تزيين أو تحسين كما يتوهمه من لا عقل له، فإن الله تبارك وتعالى أنزل هذا الدين يصلح به أحوال العباد في دينهم ودنياهم، وهو سبحانه الحكيم الخبير العليم: يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما أمرنا سبحانه ببيانه للعباد وإبلاغه لهم -من الكفر بالطاغوت والإيمان به وحده، ولوازم ذلك كله من معاداة من عادى هذا الدين والتصريح لهم بذلك، وبيان زيف آلهتهم وبطلانها، والتحذير من ضلالهم واعوجاجهم، وانحراف سبلهم واعوجاجها، -فواجب علينا بيانه للناس وإبلاغه لهم كما أنزل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت