الصفحة 14 من 90

والمراد ههنا ذكر جملة من الأدلّة الدّالة على أنّ الشّريعة قد راعت مصالح العباد في الدّنيا والآخرة، وإليها معاد ما ذكره الأئمّة رحمهم الله تعالى من القواعد في هذا الباب لا على سبيل التقصّي والحصر لما ورد من الأدلّة في ذلك فإنه ممّا لا سبيل إليه أو هو على الأقلّ ممّا يصعب حصره وتتبّعه، إذ أنه ما من أمر ونهي في الشّريعة إلا وقد روعي فيه مصالح المكلّفين في الدّارين أو إحداهما، فما تُتُبِّعَ من ذلك وظهر وجهه ممّا كان معقول المعنى صلح دليلًا في هذا المقام، وإنّما وضعت هذه القواعد بعد التّتبّع والاستقراء التّام لأدلّة الشّريعة، إلا أنّنا نذكر بعضها ههنا لنبيّن أنّ المصالح والمفاسد مردّها إلى الشّرع وهي منضبطة به لا إلى التّحكّم بالأقوال الفاسدة والرّأي المذموم، فنقول والله المستعان: قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] ، فبيّن سبحانه أنّه أرسل جميع رسله بما به قوام مصالح الدّنيا والآخرة، فإنّه أرسلهم بالمفصّلات من البيان والدّلائل وأنزل معهم الكتاب بالأحكام والشّرائع والميزان بالعدل، فالكتاب فيه دين النّاس الذي يعملون ويتركون، وفيه بيبان ما حرّمه الله تعالى عليهم ممّا فيه مفسدة الدّنيا والآخرة أو إحداهما، وما أمرهم به أو أحلّه لهم ممّا فيه تحقيق مصلحة الدنيا والآخرة أو إحداهما، وأمّا الميزان فقد روى ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره عن قتادة أنّه"العدل"، وعن ابن زيد أنّه"ما يعمل النّاس ويتعاطون عليه في الدّنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان ويعطون بميزان، يعرف ما يأخذ وما يعطي" [1] . قلت: وحمله على المعنى الأعمّ وهو المروي عن قتادة أولى، فإنّ العدل هو قوام السّماوات والأرض، وما أمر به الشّارع فهو عين العدل وما نهى عنه فهو عين الظّلم، والعدل هو أصل المصالح المطلوب تحصيلها، كما أنّ الظّلم هو أصل المفاسد المطلوب دفعها كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الإسراء: 90] ، فقابل سبحانه بين العدل الذي هو التّوحيد في هذا الموضع كما ذكره ابن جرير عن ابن عبّاس

(1) تفسير الطّبري 13/ 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت