الصفحة 4 من 90

إن الحمد لله أحمده تعالى وأستعينه وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد ..

فإنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ الشّرائع كلّها قد اتّفقت على أنّ تحصيل المصالح ودرء المفاسد -ما أمكن ذلك- أمر محمود ومطلوب، وسواء كان ذلك من المصالح الخاصّة أم العامّة إذ أنّ ذلك قوام المعاش والمعاد، وعلى ذلك قد اتّفق أولو النّهى والألباب أيضًا .. كما أنه لا خلاف كذلك في أنّ تحصيل المصالح يقدّم فيه تحصيل أعلاها فأعلاها، كما أنّ درء المفاسد يقدّم فيه الأشدّ فالأشدّ في تفصيل يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وإنّما ذكرت ما ذكرت ههنا على سبيل الجملة في هذه المقدّمة لأبيّن أن هذا الباب -على جلالة قدره وعظيم مكانته في الشّريعة- قد اجترأ عليه من لم يأخذ من العلم بنصيب، ولم يطرق له بابًا أو يسلك له سبيلًا، مع أنّ من أهل العلم -رحمهم الله تعالى- ن قد توسّع في هذا الباب حتّى جعل مدارَ الشّريعة عليه ومعاد الفقه إليه، كما فعل الإمام الفقيه أبو محمّد عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام السّلميّ في كتابه الماتع قواعد الأحكام في مصالح الأنام.

قلت: ولا شكّ أنّ الفقه في الدّين من أعظم ما يؤتيه الله تبارك وتعالى عبدًا من عباده كما قال نبيّنا صلى الله عليه وسلّم في الصّحيحين والمسند من حديث معاوية رضي الله عنه: (من يرد الله به خيرًا يفقّه في الدّين) .

قال الحافظ ابن حجر في الفتح:"وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على النّاس ولفضل التّفقّه في الدّين على سائر العلومْ".

قلت: ومعرفة هذا الباب الذي نحن بصدد الحديث عنه هو من أعلى مراتب الفقه، فإنّ تحصيل المصالح المحضة كلّها بحيث لا يشوب حصولها شيء من المفاسد، ودرء المفاسد المحضة كلّها بحيث لا يترتّب على درئها فوات شيء من المصالح مع كونه مطلوبًا إلا أنّه متعذّر الحصول بل غالبًا ما يقع التّعارض في الظّاهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت