بين المصالح المطلوب تحصيلها وبين المفاسد المطلوب دفعها بحيث لا يقع أحد المطلوبين إلا بفوات الآخر أو فوات بعضه وفي ذلك من المراتب ما لا يعلمه إلّا الله تعالى، فمن أتاه الله تعالى فهما في كتابه وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلّم نظر إلى تحصيل ما أمكن من المصالح ودفع ما أمكن من المفاسد أوّلًا بحيث لا يفوت منها شيء فإن امتنع ذلك نظر فقدّم الأرجح فالأرجح بحسب ما تقتضيه أدلّة الشّريعة، وربّما خفي عليه وجه التّرجيح لسبب من الأسباب فيتوقّف فيه حتّى يظهر له وجهه.
وهذا المقام كما ترى لا يقدر عليه أمثال ذلك المجترئ المغبون فإنّه ومن نحا نحوه يظنّون -وبئس ما يظنّون- أنّ القول في هذا الباب أمر هيّن سهل وهو ممّا يمكن إدراكه وتحصيله كلٌّ برأيه، إذ مبناه عندهم على سدّ ما يحتاجه النّاس في أمور معايشهم غالبًا، وحتّى ما كان منها من مصالح الدّين بزعمه فمردّه إلى بلوغ أغراضهم وتحقيق شهواتهم أو الجهل بما تقتضيه أدلّة الشّريعة من ذلك، وإذا كان تقديم الصّالح على الأصلح معيبًا عند ذوي العقول، فما ظنّك بتقديم ما يفوت بتقديمه من مصالح الآخرة ما هو بالنّسبة إلى مصالحها عدم أو كالعدم .. ؟!
ولذلك ترى القوم يخبطون في هذا الباب خبط عشواء، فما يعدّونه مفسدة في موضع ينقضونه ويعدّونه مصلحة في موضع آخر -لا بحسب تفاوت مراتبها في الشّريعة وما تقتضيه الأدلّة من ذلك- لكن بالتّحكّم الفاسد والرّأي المذموم، فيعتبرون جهة المصلحة من حيث لا يعتبرها الشّارع، ومن حيث يعتبرها فلا وجه لها عندهم.
وإن كنت تروم على ذلك مثالًا يوضّح المقام فتأمّل ما تنازع النّاس فيه في هذه الأزمان المتأخّرة من دخول ما يُعرف بـ (المجالس النّيابيّة) فإنّها على وضوح أمرها وجلاء حقيقتها وتصريح القائمين عليها بأنّها تتولّى سلطان التّشريع، فتقرّ من الشّرائع ما تشاء وتنفي ما تشاء، وهذا عين مضاهاة الله سبحانه في ربوبيّته، إلا أنّ فريقًا من هؤلاء المجترئين المغبونين قد وقّعوا فيها عن ربّ العالمين ولا حجّة لهم في ذلك إلا زعمهم بأنّها من المسائل التي يتّسع فيها النّظر -أعني نظر أمثالهم- وهؤلاء -تشبّها بأهل الفقه- لهم في المسألة أقوال: