الصفحة 6 من 90

-فمنهم من زعم أنّ دخولها هو عين إصابة المصلحة من تكثير سواد المسلمين وتقوية شوكتهم وسدّ احتياجاتهم في معايشهم وأرزاقهم، كما زعموا أنّ دخولهم إليها أولى من دخول غيرهم ممّن عداوتهم للدّين بيّنة واضحة.

-وذهبت طائفة إلى أنّ دخولها أو عدمه منوط برجحان المصلحة بدخولها أو عدمه، وذلك مختلف باختلاف الأماكن والبلدان فعند هؤلاء قد يكون دخولها جائز في بلد ما متى غلب على الظّنّ تحقّق المصلحة بدخولها وإلا فيمنع.

-وقول ثالث وهو قول بعض المتفيقهة منهم أنّ دخولها جائز لأجل الإنكار على من فيها وإبلاغ الحقّ لهم.

وهذه الأقوال مع كونها كما ترى تستند في ظاهرها إلى قاعدة المصالح والمفاسد في الشّريعة، إلا أنّها أقوال ساقطة مردودة باطلة، وأعظمها سقوطًا وبطلانًا الأوّل ثمّ الثّاني، وأمّا الثّالث فإنّه وإن كان يلتحق بسابقيه إلا أنّ التّلبيس والتّدليس فيه أعظم، وكأنّما أراد القائل به أن يجعله وسطًا بين قول المبيحين وقول المانعين وظاهره إباحة دخولها ابتداءً، وإنّما النّزاع في هذا المقام فيه -أعني في دخول الدّاخل إليها عضوًا من أعضائها- لا في السّبب الذي دخل لأجله، وأمّا الإنكار على من فيها وإبلاغ الحقّ لهم فلا تلازم بينه وبين دخولها عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، بل الإنكار على من فيها مع اجتناب دخولها أبلغ في الإنكار وأعظم أثرًا في إبلاغ الحقّ، بل هو تحقيق لما أمر الله تبارك وتعالى به من التّوحيد الذي لا يتمّ إلا بمعاداة أهل الشّرك والكفر والبراءة منهم ومن معبوداتهم وتشريعاتهم، واجتناب ما هم عليه من باطل وضلال، وتحذير النّاس منهم وكشف زيوفهم وفضح عيوبهم، فهذه هي المصلحة العظمى التي اعتبرها الشّارع في هذا المقام وضيّعها هؤلاء بأقوالهم السّاقطة المرذولة تلك.

وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم في شأن الذين اتّخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا بالله ومحادّة له ومحاربة لدينه {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 108] فنهاه عن القيام فيه ابتداءً ولو كان المقصود من القيام فيه التّعبّد لله تعالى والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فلا يحلّ لأحدٍ كائنًا من كان أن يقول: يُستثنى من ذلك القيام فيه بقصد الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، لأنّ اجتنابه ابتداءً مصلحة مقصودة للشّارع، وهكذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت