الشّأن في كلّ ما يبتنيه أولئك المبدّلون لدين الله المحادّون لشريعته من الهيئات والمجامع والمرافق التي يُلبسونها مسوح الإسلام ويحلفون بالله أنّهم ما أرادوا بها إلا الإحسان ببنائها والرّفق بالمسلمين والمنفعة والتّوسعة على أهل الضّعف والحاجة منهم، والله يشهد إنهم لكاذبون، إذ لو حَسُن في ذلك قصدُهم لما بدّلوا دين الله وغيّروا شريعته ولما حاربوا أولياءه وقرّبوا أعداءه وناصروهم وأحبّوهم، فحكم هذه الهيئات حكم مسجد الضّرار المذكور، بل هي أشدّ وأعظم لعظم نكايتها بالإسلام وأهله، ثمّ إنّك ترى الكثير من النّاس يخالط أهل الكفر ودعاة البدعة وأرباب الخنا والفجور، ويرى ما يرى من كفرهم وباطلهم ولا يمنعه ذلك من أن يكون جليسهم وأكيلهم وشريبهم، فإذا ما أنكرت عليه ذلك تذرّع بمصلحة دعوتهم إلى دين الله وبيان الحقّ لهم، والله يعلم أنّه بذلك كاذب مقدّم بين يدي الله ورسوله مفتئت على أحكامه مجترئ على شريعته، ولو كان الأمر على ما يدّعيه من المصلحة لراعى أمر الشّارع بالتزام ما أُمِرَ به من هجران أهل الباطل ومفارقة أصحاب الضّلالات والبدع والأهواء كما كان عليه سلف هذه الأمّة وأئمّتها ممّا هو أبلغ أثرًا وأعظم نكاية في نفوس أصحاب الضّلالات والأهواء وأحفظ لدين الله وشريعته من تلبيس الحقّ بالباطل والهدي بالضّلال مع موافقته لما يحبّه الشّارع وهو مراد له في هذا المقام، وإنّما أعرض من أعرض عن القيام بهذا الأصل الواجب إمّا لجهله بمراتب المصالح والمفاسد في الشّريعة وما يعتبر فيها وما لا يعتبر، وإمّا خوفه ممّا يترتّب على ذلك من التّبعات والتّكاليف، فإنّ هجران أهل الكفر والضّلال ومعاداتهم ومفارقة أهل الأهواء والبدع ينبني عليه من الإيذاء والابتلاء وكثرة الأعداء والخصوم مع ضيق العيش والجهد ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وإمّا طمعه في أن يحصّل من أيديهم عرضًا من أعراض الدّنيا من مال أو جاه أو سلطان، ولأجل ذلك كلّه فمراعاة قواعد المصالح والمفاسد في الشّريعة يقتضي حرمة دخول هذه المجالس ابتداءً من جهة كون اجتناب دخولها تحقيقًا للتّوحيد الذي أمِرنا به وهو الوجه الذي اعتبره الشّارع، والواجب اعتبار ما اعتبره ولا مزيد.
أمّا التّحكّم في دين الله بلا دليل ولا برهان والتّقوّل على شريعته بالآراء الفاسدة فلا يعجز عنه من لا دين له ولا عهد له ولا أمانة له وإن ادّعى أنّ مقصده تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، بل إنّه ما من أحدٍ من الخلق يُقدِم على فعل شيء ما إلا وهو يدّعي أنّ المصلحة في فعله، وقد قال ربّنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم حكايةً عن فرعون لعنه الله أنّه قال لملئه في شأن موسى عليه السّلام: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى