وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر: 26] فزعم عدوّ الله أنّ علّة قتل موسى إنّما هي دفع الفساد من الأرض والذي كان عنده بتبديل الدّين الذي هم عليه أو إظهاره عبادة ربّه الذي يدعوهم إلى عبادته وأنّ المصلحة إنّما هي بتمسّكهم بما هم عليه من عبوديّتهم له ودخولهم في دينه، وقد حكى سبحانه قول الملأ لفرعون فقال: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 128] فزعموا -قاتلهم الله- أنّ إبقاء فرعون على موسى وقومه سبب في إفساد خدمه وعبيده وأهله عليه وأنّه سيدعوهم إلى ترك خدمته وعبادته فأجابهم لعنه الله بموافقته لهم على اعتبار ذلك مفسدة وزادهم بأنّ دفعها يكون بقتل الأبناء واستحياء النّساء.
وقال تعالى عن الملأ من كفّار قريش لمّا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى عبادة الله وحده {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص 6 - 7] وقوله: {إن هذا لشيء يُراد} قال ابن جرير رحمه الله تعالى:"أي أنّ هذا القول الذي يقول محمّد ويدعونها إليه من قول لا إله إلّا الله شيء يريد منّا محمّد يطلب به الاستعلاء علينا وأن نكون له فيه أتباعًا ولسنا مجيبيه إلى ذلك".
قلت فزعموا أنّ اتّباعه على ذلك مفسدة وأنّ المصلحة تقتضي الصّبر على آلهتهم والتزام عبادتها والمضيّ على ما هم عليه من الدّين الذي أدركوا عليه آباءهم وأجدادهم.
وإليك ثانية أدهى وأمرّ بل هي لعمر الله من إحدى الكبر، وهي -وما أدراك ما هيه- ما قام به أئمّة الكفر وأساطين الرّدّة في زماننا من عقد (سلام) دائم مع اليهود، وهذه مسألة أحسب أنّ الله تعالى لو أنطق بها البهائم العجماوات لنطقت بأنّها من أشدّ البهتان وأعظم الكفران بشريعة الواحد الدّيّان، وأنّ الواجب على هذه الأمّة قتال كلّ صائل على دين الله وشريعته أو على بلاد أهل الإسلام ودماء المسلمين وأعراضهم ومنهم اليهود لعنهم الله، ومع ذلك لا يرعوي الأفّاك الأثيم العتلّ الزّنيم خالعًا الحياء من الله عزّ وجلّ عاريًا عن لباس التّقوى والدّين هاتكًا ستر الله عليه فاضحًا خبيئة نفسه أن يقول إنّ مردّ ذلك إلى ما يراه أساطين التّوحيد وأركان الشّريعة حكّام بلاد المسلمين من المصلحة والمفسدة، لا بل ما فعلوه هو عين المصلحة التي لا