الصفحة 48 من 90

ليهلك من هلك عن بيّنة ويحي من حيّ عن بيّنة كما دلّ على ذلك آيتا سورتي الشورى ويوسف السابقتان، وما جرى مجراهما في كتاب الله تعالى كقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] وغير ذلك من الآيات التي بيّنت حرمة كتمان العلم كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159/ 160] وغيرها كثير مما لا سبيل لطالب النجاة سواه، وهذا هو الميزان الحق عند الله تعالى الذي يوزن به حملة العلم والدين كما قال عز وجل: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39] فما دعا داع ولا بلّغ مبلّغ شيئًا أحب إلى الله تعالى من إبلاغ وبيان ما افترض الله تعالى على عباده من توحيده الذي هو أساس دينه وقوامه، وما من موقف يقفه العبد أحب إلى الله تعالى من موقف الذبّ عن دينه بمحاربة الكفر والشرك والضلال والهوى، حتى يتميّز الحق من الباطل والخبيث من الطّيب كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] وهذه الآية وإن قيل أن المراد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المراد بها المؤذنون كما ذكر ابن جرير وابن كثير رحمهما الله تعالى عن بعض السلف إلا أن الصواب كما قال ابن كثير رحمه الله [1] :"أنها عامة في كل من أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بذلك كما قال ابن سيرين والسدّي وعبد الرحمن بن زيد بن سلم رحمهم الله تعالى".

أقول: فهذا هو الذي أمرنا الله تبارك وتعالى في تبليغ الحق وبيانه للناس، بيد أنه قد ابتليت الأمة وابتلينا -وفي هذا الزمان على وجه الخصوص- بأقوام راحوا يزيّنون ويحسّنون الحق بزعمهم بغية إيصاله للناس ليقبلوه، وظنّوا أن بيانه كما أنزل غلظة وشدّة تحول بين الخلق وسماعه، فخلطوه بما ليس منه، وألبسوه ثيابًا حسبوا أنها ثياب حسن والحال أنها ثياب سوء، فقدموا للناس دينًا مبتورًا مشوهًا ناقصًا بينه وبين دين الله تعالى مفاوز وقفار، وجعلوا ذلك من الحكمة بزعمهم .. ! أو من باب تحقيق المصالح ودرء المفاسد، فخبطوا خبط

(1) تفسير ابن كثير 4/ 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت