الصفحة 49 من 90

عشواء، في ليلة حالكة سوداء، وسأذكر في المسألة الثانية إن شاء الله تعالى صورًا مما وقع فيه هؤلاء من الضلالات، إلا أنني أنبّهك ههنا على جملة من الأمور التي أوقعت القوم فيما وقعوا فيه، والله المستعان.

فمن ذلك، وهو أعظمه، الجهل بهذا الأصل العظيم في الدعوة إلى دين الله تعالى، حتى أنك لتراهم يقدمون عليه ما يظنوه من المصالح المعتبرات، لا لأن الشارع قد اعتبره من المصالح، لكن لأنه معتبر عند عامة الرعاع من الخلق فاجتماع الناس عليه أسهل وإقبالهم إليه أيسر، والحال أن المعتبر من المصالح والمقدّم منها والمؤخّر، ومعرفة راجحها من مرجوحها، إنما هو من حيث يعتبره الشارع فحسب لا من حيث يعتبره الخلق، وكم هي المسائل التي يعدّها الناس من المصالح أو من المفاسد، وعليها يوالون ولأجلها يعادون، ولا مراعاة لها في الشرع، أو هي مرجوحة بالنسبة إلى غيرها من المصالح، وربما كانت معها عدمًا أو كالعدم، وأنا ذاكر لك مثالًا هنا يتّضح لك به الأمر: وهو أننا قد شاهدنا وشاهد غيرنا من بلاد المسلمين، وهي تحكم اليوم بغير شريعة الله تعالى وتعلوها أحكام الكفر -غالب الناس وهم من الهمج الرعاع تثور ثائرتهم وتتحرّك سواكنهم لأجل اللقمة والدرهم والدينار، والمركب والخميصة والدار، أما أن يعتدى على الدين وتنتهك حرمة الشرع، وأما أن يعتدى على أعراض المسلمين ودمائهم، وأما أن يُمكّن اليهود والنصارى من بلاد المسلمين، فما تحسّ منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزًا، إلا من رحم الله تعالى وقليل ما هم، فهذا هو حال الخلق مع هذا الدين حملهم عليه قلة تعظيمه في نفوسهم، مع قعود أهل العلم عن بيان الحق وتبليغه لهم والله المستعان، ثم يأبى هؤلاء الأدعياء الجهلة إلا أن يجمعوا الناس على مثل ما ذكرت لك ويغفلون دعوتهم إلى أصل الدين وملّة الأنبياء والمرسلين ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.

فيا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار!

يا قوم .. إن دين الله تعالى لا هوادة ولا مداهنة ولا مهادنة فيه، فبلّغوا دين الله كما أنزل وكما ارتضاه لعباده، وإلا فدعوه .. ! فإن له رجالًا يموتون دونه .. !

يا قوم .. والله لن تكونوا في إبلاغ هذا الدين بسبلكم المعوجّة تلك أبلغ ولا أحكم من الله تعالى الذي قال في كتابه: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ .. } [الأنعام: 55] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت