من حرّمه باحثًا عن علّته فظهر له أنّها اختلاط الأنساب مثلًا، وهذه المرتبة الثّانية بينها وبين التي قبلها فرق ظاهر.
وأمّا المرتبة الثّالثة فهي مرتبة من لم يقدّم ما قدّمه الشارع ولم يؤخّر ما أخّره إلّا مع رجاء حصول مصلحة عاجلة في الدّنيا، وهذا الفريق متى لم يظهر له وجه هذه المصلحة العاجلة فربّما وقع في المحظور وخالف مقصود الشّارع بارتكاب منهيّ عنه أو ترك مأمور به ومن مثله يقع تقديم الصّالح على الأصح والمرجوح على الرّاجح وهؤلاء هم المقصودون في كتابنا هذا في المقام الأوّل.
ومن علم أنّ لا منجاة له في الدنيا والآخرة ولا بلوغ إلى مرضاة الله وجنّاته إلا باتّباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلّم قدّم اتّهام رأيه وعقله على اتّهام الشّرع والدّين وظنَّ بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم الخير كلَّه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه:"إذا حدّثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فظنّوا برسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه" [رواه ابن ماجة في السّنن] ، وإنّما مثل العباد مع ما جاء به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كمثل رجل أتى في طريقه أرض معشبة مُسْبِعة كثيرة الهوامِّ والدّوابّ والسّباع عظيمة الحيّات والعقارب وقف على رأسها دليل يهدي السّالك الطّريق قد خبر شعابها ودروبها ومسالك النّجاة فيها فمن أخذ بقوله واهتدى أدلج ونجا، ومن عصاه وخالفه أصابته تلك الآفات فضلّ وهلك، وأحسن من مثالي هذا وأزكى وأطهر ما مثّل به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم -بأبي هو وأمّي- فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال يا قوم إنّي رأيت الجيش بعيني، وإنّي أنا النّذير العُريان، فالنّجاء النّجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذّبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتّبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به من الحقّ) .
وما مثّل به كذلك وهو في الصّحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أيضًا أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقيّة بلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسك الماء، فنفع الله ناسًا شربوا منها وسقوا ورعوا،